أوبريت وفاء وبيعة .. صوت الوطن المحب

كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص

أوبريت وفاء وبيعة .. صوت الوطن المحب

لن تبقى منه غير ثلاث لوحات

ننتظر من عام إلى عام الجنادرية بملء الحب .. هذا ماعودنا عليه طلال مداح رحمه الله ومحمد عبده . هكذا صرنا أجيالا انتبهت بعد حين لانتظاراتها التي في كل عام تحاول الوفاء بها كثير من الأصوات .. يجتمع المطربون أربعة .. أربعة .. خمسة خمسة لينجزوا المحبة التي أنجزها قبلهم طلال ومحمد بإمكانات وأدوات أقل وبحرفية وحضور أكبر . مرة ينجحون ..ومرة لا تسعفهم جهودهم التي لا نشك مطلقا بمصداقية عطائها بل تدفعنا جهة افتقاد الثنائي طلال ومحمد أكثر وأكثر .

هذا الطرح واقعي جدا وليس من قبيل التمسك بالماضي على حساب الحاضر خصوصا وفي الماضي- الذي ليس ببعيد كثيرا - تكمن أصالة حية لا يمكن أن تنسى . هذا العام نستطيع أن نعتبر الأوبريت الـ ( 21 ) محاولة أيضا ضمن المحاولات نجحت في بعض الارتكابات وفي بعضها الآخر لم تعطي ثمار المجهودات التي بذلت فيها . الأوبريت المعنون بـ ( وفاء وبيعة ) من كلمات الشاعر : فهد المبدل ومن ألحان : د. عبدالرب ادريس . ومن غناء أربعة فنانين هم : محمد عبدة , راشد الماجد , عباس إبراهيم , وعبدالمجيد عبدالله .

أستطيع أن أقول أن 13 لوحة / أغنية في الأوبريت الجديد ستخلد منها ثلاث لوحات فقط.. هذا رأي شخصي أحتفظ به على الأقل لنفسي . عبدالرب أدريس الفذ والجميل جدا جدا أظنه من الإبداع بمكان ان صارت الألحان رغم شعبيتها ساحة للاكتضاض الصوتي والصعوبة . كان واضحا جدا أن الفنانين يحاولون حثيثا في اللحاق بالألحان . هذا بالطبع قد لا يكون قدحا في اللحن بقدر ماهو تفكر في قدرة هذا المبدع على استعراض كولاجه الصعب وقدرته على دمج عدة الحان في كل واحد قد لا نستوعب كيف يمكن أن يأتي بكل تلك الكثافة . لذلك أظن جدا أن آخر مقطع وهو ثاني أجمل مقطع بعد قطعة الأطفال الحلوة هو أنجح مقطع لما فيه من جمالية وسلاسة تريح الأذن والروح وتصل بالكلمة لمستقر جميل في الداخل يمكن المستمع من ان يحتفظ بها الى الأبد بخلاف باقي المقاطع التي سبقته . ذلك المقطع استمر على نفس اللحن مستوعبا أصوات الفنانين الأربعة ما أظن معه جدا أنه على آلية راقية تعيدنا لأمجاد اوبريتات طلال مداح ومحمد عبده تلك التي مازالت تقدح جمالا و كثافة في أذهان الأجيال .

ثمة دهشة حدثت .. بغض النظر عن الدخول السريع والغير مناسب لانتقال اللحن لمرحلة أخرى بعيدة . أظن أن ذروة العمل كما قلت سابقا وجوهرة الأوبريت بأكمله كانت أغنية الأطفال ( بابا عبدالله) التي لم تنل في لوحتها الفنية ما كانت تستحقه . فصل الأولاد عن البنات .. والرقصة العشوائية للأطفال وعدم الاهتمام بالأزياء كلها عوامل اعتقد جدا بأنها لم تنجح في نقلها بالصورة الصحيحة . لذلك أتمنى صدقا أن يتمكن التلفزيون السعودي من تصويرها بعناية أكبر على طريقة الفيديوكليب لعرضها في التلفزيون فهي أغنية من الجمال والجودة والحميمية أن تكون جديرة بالحفظ والتداول وإنعاش الشعور بالانتماء للوطن والأب الحبيب .

الأوبريت خليط مكثف من التراث اللحني للمملكة يبدأ بنقاء / كلمات دينية ضمن معزوفة فيها من الرهافة والصوفية الكثير . ينتقل اللحن بعدها للإيقاع النجدي ثم لجنوب يغني على نقره عبدالمجيد عبدالله الذي لا أظنه وفق كثيرا بآداءه مقارنة بزملائه الثلاثة . قد يعد البعض رأيي هذا من قبيل التطرف لكنني أعتقد جدا بأن نقلات اللحن الكثيرة لم تتواءم وصوت عبدالمجيد كما تواءمت على الأقل مع راشد الماجد الذي و للأمانه أعطى الوطن في حنجرته بعدا مكثفا وأكثر فخامة خصوصا في الألحان الحجازية التي كانت ذروة حضورها معه في ( علومنا طابت وبارقنا هما …) . بعض الأصوات لها القدرة على إعطاء اللحن فخامته وهذا بالضبط ما حدث في صوت محمد عبده بخبرته الطويلة التي جعلت من الكورال الذي يصاحبه باهتا جدا بل وذابل بما يكفي لاستشعار النهوض في صوت الوطن / محمد عبده . لا أنكر أن في كل مقطع يبدأه عبدالمجيد كنت أشعر لتمكن صوته من اللحن بأنه سيتم لوحته الصوتية بنجاح لكنني في كل مرة اخذل بالاختلاط الحاصل في اللحن ذلك الذي لم يتمكن عبدالمجيد برقة صوته من مجاراته .

الألحان الجنوبية كانت أنجح حضورا من الإيقاعات السريعة التي أدرجها الملحن بين كل لحن شعبي وآخر . لكن كانت أروع الألحان هي تلك الحجازية التي تمايل فيها الوطن وطرب .

كلمات المبدل جميلة وسلسلة .. لا يمكن أن نطلق عليها كلمة العبقرية أو الخالدة لكنها إجمالا أحدثت تأثيرا جميلا وواضحا في أكثر من مقطع .

الحدث الأكثر روعة في الأوبريت وأعده من النجاحات التي لا يمكن إغفالها هو حضور الفنان الشاب عباس إبراهيم .. وتلك الطاقة الخلاقة فيه . صوته متوازن وممتد .. باختصار لم يكن (جديدا) أبدا .. هذا أبلغ تعبير أملكه لحضوره الرائع . كما أظن جدا أن اختياره للمشاركة في الأوبريت يعد نقلة في مستواه الفني ونقلة كبيرة في مسيرته كاملة .

منذ النغمة الحجازية التي لم يخذلها أبدا عطاء وإحساس راشد في أواخر الأوبريت ( علومنا طابت وبارقنا هما ) و الروعة كانت تحصر المسك في المنتهى .. مر اللحن منذ تلك المنطقة شديدة البهاء بأغنيتين هما حقا ماسنتمكن من تذكره دائما من هذا الأوبريت ( بابا عبدالله) و ( ماهمنا من ذمنا) التي تألق فيها الجميع بما فيهم عبدالمجيد الذي تناسبت طبقة صوته مع اللحن النجدي .

ختاما ..

لا ادري متى سنتخلص في الجنادرية من رتابة اللوحات الفنية التي تتكرر نفسها كل عام . ومتى سنجد صيغة أخرى للعرض غير رقص الرجال الجماعي . أيضا لا أدري متى ستهتم وزارة الإعلام ببث الأغاني منفصلة على التلفزيون السعودي و بعض القنوات الفضائية والإذاعية . على الأقل لكي لا يغبط الملحن والفنانين حقوقهم . ولنمنح فرصة الاستمتاع بفننا الرفيع .

ختاما أغنيها مثلما غنوها بصدق مطلق ..

 

يا بلادي من علو إلى علو

مايدنس طهرك بلادي غلو

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر