الدفق الدرامي في جديد كاظم وعبادي
كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص
الدراما الموسيقية هي ما أقصد به الإيحاء المكثف في الزخم الموسيقي المعروض ..مرتفع النبرة . ذلك الذي يدفق بالشعور ما سيأخذنا مرغمين لتصور المشهد صوريا لا حسيا فقط .. وهذا قد يرجع إلى أننا تعودنا أن هذا الرتم من الموسيقى يكون تابعا دائما للأعمال الدرامية البصرية في التلفزيون كموسيقى البدء أو الموسيقى التصويرية في تلك الأعمال أو الأعمال السينمائية . بالطبع موسيقى تلك الأغنيات تأخذ قيمة أرفع ورقي أوضح وتأخذ المستمع لمجاهيل أعمق بكثير لكنها تأخذ نفس طابع الموسيقى التي هي بحد ذاتها مشحونة حد التحرك حينا بموازاة الكلمات ..وحينا تقود الكلمات من عنقها لمعناها الأرفع .
أيضا يمكن أن أطلق مسمى الدراما الموسيقية على تلك الأغنيات التي تعتمد جدا على الكلمة المستقلة بالمشهد والمتوحدة فيه كحالة خاصة حدا يصير معه المتلقي منفصلا عن الحدث مراقبا له .. لا كما تكون كلمات الأغاني عادة عامة ويصح أن يشعر الجميع بأنها تخصهم .
النوع الأول تحديدا وجدنه في أغنية ( أجهلك) لعبادي الجوهر من ألبومه الجديد بكل ما تعنيه الدراما الصوتية من تمثل الحالة الشعورية للنص باللحن الذي قد يتحرك برشاقة أكبر من ما تستطيعه الكلمات في إطار معناها . .
أما النوع الثاني فوجدته واضحا جدا في أغنية كاظم الساهر ( ماشي بشارع) من ألبومه الجديد أيضا والتي كانت من كلماته وألحانه . سر التوقف عند الأغنيتين هو شعوري العميق بأن كلا الأغنيتين ذروة إنتاج الفنانين الموسيقيين لهذا العام لحنا وآداءا.
كاظم الساهر كان مرهفا جدا في آدائه الصوتي بشكل ارتوى ممثل محنك ضمن مسرح النغمة الشفيفة .. أتي رقيقا مثل رش المطر ..مدهشا مثل الالتصاق بجميلة تحت مظلة في جو حزين .
قد أتطرف لهذه الأغنية حتما لو أنني قارنتها بأعمال كاظم العظيمة .. لكنني أفعل هنا إذا ما قارنتها بباقي أعمال الألبوم على اعتبار أنها أجمل ما جاء في إنتاجه الأخير . فنانين كثر قدموا هذا اللون أتذكر مثلا ( المعازيم) لمحمد عبده مع اختلاف القالب تماما لكنها تشبهها في فكرة التعبير عن قصة خاصة تتابع الموسيقى حالتها بطريقة عاطفية و وصفية عميقة . كاظم غنى أكثر من أغنية بتلك الطريقة .. ولا أظنه بعد هذه سيتوقف عن تقديم هذا اللون .
عبادي الجوهر في رائعته ( أجهلك) يعطي للون الشجن الذي يقدمه عادة مساحة جديدة من الألحان المتعددة . دفق شعوري في اللحن متنقل كأنه حوار متعدد الأطراف يقوده شخص واحد باتجاه ذاته .. هناك أيضا جرس يرن تقديسا لفكرة الحلم ..صلاة للأطياف الحالمة التي لا تتحقق ومواساة لكل فقير في الحب لا يرى في الجهات شريكه . في هذه الأغنية تحديدا ألمس محاولة اقترابه من الجهد الذي بذله العظيم محمد عبده في ( صوتك يناديني ) و ( أنشودة المطر ) كفنان لحن لنفسه وغنى رائعتين لن يتكررا أبدا . أظنها خطوة موفقة من عبادي في إنتاج عمل مختلف عن المعتاد ليته يستمر فيه .
عموما … نحن نتطرف لعبادي حين يتعلق اللحن بقدرته على اغتراف ملح الداخل .. على إجتراح الدمعة التي تحجرت في القلب .. بقدرته الحجازية اللينة في نبشها للوعة الصدور . قد يكون لهذا صلة بالعود الذي يلتصق باسم عبادي مثل تميمة أو تعويذة جمال حتى لقبه محبوه بـ ( اخطبوط العود) لكننا حتما نعرف أن هذا النوع من الطرب لا يشبه تأملات العود التي يصدرها أرباب العود الجديد مثل خريجي بيت العود ونصير شمه وغيره .. و أيضا لا يشبه السلطنة القديمة في العزف على العود . ما يقدمه عبادي يشبه كثيرا صدق البسطاء حين يأتي شفيفا وعميقا بما يكفي ليكون قولا رفيعا لن ينجوا من التفاعل معه قلب .. إن كان قد مس هذا القلب حزن أو لوعة حقيقية .
لم يلفت نظري الكثير في ألبوم عبادي الجديد ربما لأنه لم يقدم في باقي البومه لحنا يختلف بشكل ملفت عن أعماله القديمة .. بالطبع هذا لا يعني أننا نريد جديدا في اللحن وبالتالي تحديثا في اهتمامه المعروف بالكلمة التي يختارها , إذ لا أذكر مطلقا أنه اختار كلمات خيبت ظن جمهوره فيه.
هذه الأغنية استوقفتني عندها لكونها كافية لردم ذنوب أعمار ظهر فيها عبادي المدهش طي الغياب .
هذه الأغنية التي تعود بنا لروائع عبادي كـ كفاك غرور .. مثلا رغم أننا مع عبادي يصعب أن ننتقي أجمل ما فيه وأغلبه جمال . أقول هذه الأغنية من الممكن أن تصنف كواحدة من أروع ما قدمه عبادي وما قدمه ( عبدالرحمن بن مساعد ) كاتب الكلمات حيث أنها جوهر ثمين ضمه لمجموعته المترفة ( مذهلة , دخون , البرواز , سكه طويلة , عيونك آخر آمالي , تدرين وادري بنفترق , قالو ترى , أستاهلك .. الخ ) من ما لا يتسع ذكره أبدا . عميقة كلمات عبدالرحمن بن مساعد العمق الذي يكون حال يتعمده بطريقته الفاتنة . كما أن عبادي ضمن نوع خاص من الملحنين يجمعهم رقي واحد منهم الدكتور الموسيقي عبدالرب إدريس مثلا الذي شاركه تلحين البومه الأخير . رغم هذا أظن أن لحن ( أجهلك) يقترب من أعمال أكثر رقيا من إنتاجهما الأخير حيث هذا اللحن يجتمع مع الأعمال التي لا تنسى بكونه يجتمع معها على أن نظمها لا يتفق ورتم واحد تمضي خلاله الأغنية وتنتهي بل تصير الأغنية من التكثيف أن يأتي لحنها على محطات تتنوع وتتعدد دون شعور بنشاز الانتقال بين فصولها .
من غاية اللذة تتبع موسيقى يظهر فيها جهد ملحنها وموزعها كما يظهر فيها جهد الآداء .. الركن الرابع في نجاح الأغنية بعد الصوت .. عبادي لم يختلف تعبيره الحزين في صوته عن حزنه في أغانيه الأخرى .. ذلك السفر التأملي في ثنايا الصدور . بحة صوته أخذت مضيها نفسه وأخضعت اللحن لسطوتها الدائخة والمحببة كما في جل أغانيه . تلك الأغنية ساكنة .. تشبه النشوة التي على وشك أن تبدا.. لكنها لم تبدأ بعد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:موسيقى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























