ضياء يوسف

الأربعاء,كانون الثاني 01, 1992


أجد من الضروري التوقف لآخر إنتاج الياس خضر بعد الأخبار التي تناقلت عن موت الفنان الكبير .. الذي وللطمئنية كانت أخبار عارية من الصحة .. بدلا من ذلك نحن هذه الأيام مع وعد حضوره الجديد / شريط سيتعاون فيه مع الشاعر الجميل مظفر النواب .

البكاء المنغم لحن عراقي أصيل../ غرغرة حسرة تغني . أرض الحزن من البديهي أن تنجب دمعة مالحة .. المواويل التي استهل بها ياس خضر آخر ألبوماته صوت عراقي أصيل وبكاء منغم وغرغرة حسرة تغني بكل مافي الصوت العراقي من حدة و شجن جارح .. بكل مافيه من تساقط أمين جهة الألم واللوعة ..

العراق/ الجرح المفتوح .. انفتح جرحا في صوت الياس خضر .. وجع ممتد إلى أبعد من مجرد أغنية حزينة .. ياس في صوته حمل الأنين فوق هيبة اللحن العراقي الذي ينطلق من الموال إلى الرقص فوق قيح الجرح .. / عصافير تللوى في جحيمها .

ياس خضر طاقة ولون عربي خاص من الجميل أن يستوعبه الجيل الجديد المأخوذ بالفضائيات ..لأن من لا يعرف ياس لا يمكن بأي حال أن يشعر بحرارة تربة العراق ..ولا كيف يتحول النهرين لجحيمين .. ولا كيف يقتلان من العطش وفيهما أصل الارتواء والخصب . وكيف يصير الحب حياة بسيطة .. تعيش خلودها لأن تفاصيلها أكثر من مجرد كلمات معروفة يعاد نسخها بأكثر من طريقة .. أكثر من مجرد منطقة عاطفية يمكن إعداتها . الحب في صوت ياس خضر حب واحد لا يمكن بأي حال أن يتكرر .. قلب موقوف لتجربته الأولى / العظمى .

مسيرة تاريخية كاملة من الإحباط والمقاومة في صوت هذا الرجل العظيم .. وأقول العظيم لأنني أدرك أن اللون العراقي من الصعوبةأن يمتد لأكثر من منطقته .. لكنه بصوت هذا الرجل يمتد لأكثر من تلك المساحة تلك داخلا في عمق التاريخ .. بيننا رجل سيتذاكره التاريخ طويلا وسيعلم من خلاله كيف تكون لعنة الحزن أغنية طربية أصيلة .. وكيف يرقص العراق على وقع أنينه .. وكيف يخفق قلبه فوق الموت تماما .

ربما من غير الحكيم التحدث عن فنان واحد بصيغة وطن .. لكنني مجبرة على ذلك لأنني أحترم فن هذا الرجل الذي لا يساوم على زرع عراقه في الأسماع .. وفيا مع وطنه .. ومع هويته الأولى . وفيا لما قد يذكره التاريخ عن العراق من خلاله .. وفيا لصورته المثالية التي ترشح لنا نحن الذين خارجه صوت العراقي الأوفى والأكثر احتفاء بالجمال الخاص الذي لن يجيده سواه مهما بدى للآخرين أن في اللحن العراقي نغمة مذهلة يمكن تكرارها وإعادة إنتاجها بطرق كثيرة .

دوخة وسكر في ذلك المستوى من الألم لا يعرفه من لا يقع في قبضة ذروته .. سلطنة تجتاز بالكلمات العراقية لعمقها وأصالتها المعروفة . آداء الياس في ألبومه لا يختلف عن ماهو معروف عنه .. الجديد فقط هو في أن علينا تجديد العهد بالتوقف المتعمد والحثيث لصوت هذا العراقي .. العراقي .

آخر أعماله من المواويل / ما أزعلك , حب طفل , حبيبي وداعتك , ما كل من ذاق الصبابة , ... و الأغنيات / أنا شبيدي, آه ياليل , بس انتم , تجون لو ماتجون , قلبي انقسم , لا على بختك , ليش الدنيا , ما أرضى , مشينا ياهوى , من شفتوني أحبكم , من يبدأ الغروب , هنياله , وين ألقاه.

ياس قضية تنحني للإنسان .. بكل ما تعنيه هيبة هذا الوقوف من وضع النصب على النصب .. التعب على التعب والغصة على الغصة في بناء واحد .. بكل ما يسهل مرور التجربة الإنسانية في لحن معبر, تجربة تقول الكفاح والمقاومة في أجل حالاتها .. عبورا بغربة الذات المتحركة في داخل الإنسان , الغربة التي بين الحاجة الماسة إليها والوقوع في أسرها ضمن الوطن وبين الأهل والقرابة . عبورا بما يجعل بوح الوحدة وقع شديد اللهجة لأن في كل ذات تعيش غربتها هناك ألم شديد اللهجة لا يمكن التحدث عنه دون الوقوع في البكاء والغصص ...

أعتقد أن سر أسطورة هذا الصوت وتميزه هو في أنه عراقي يغني حين يغني للعراقيين .. بغض النظر عن ما يمكن أن يسفر عن هذا عرابيا .. هذا الوفاء هو الذي يصنع أغنية لا تموت .

ختاما أقول ..

هذه الحنجرة حشد من الباكين .. لذلك يجوز أن أصف آخر أعمال ياس خضر بأنها حضارة الحزن المتكاملة .. صروح من الحسرة الإنسانية .