أنسى حنينك .. مستحيل !
كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص
اللهجة العراقية من أصل الحرقة .. حين تعيش الكائنات في الهواء وفي الماء وحده الصوت العراقي كائن يعيش في النار ..بل فوق ذلك يرقص فيها .. اشتعال أبدي في الحزن يكون ..وفي الحزن يتنفس كماله .
في كتابة سابقة كانت ( ودارت الأيام ) لأم كلثوم تعجنني باستشعار الحب المستحيل والشوق الحقيقي . كانت محاولة وصف الشعور تأخذني لتلقي الحب بالحب .. بل ومصافحة الحب بالحب .
حين أشعر أن ثمة حب مستحيل وشوق حقيقي في أغنية المهندس أنا لا أتحدث عن ذاك الشفيف في أغنية أم كلثوم . أنا أتحدث عن تلقي الحزن بالحب ..وتلقي الحب بطاقة الحزن الفادحة .
ليس ثمة شك قد ينجح في المثول أمام آداء صوته ذاك . كيف لا ..و فيه الحذر يرتبك بالقدر الذي يجعل دوخته تترنح في داخله ..واقف في بعيد يخشى أن يخطوا لاقترابه فيفتضح ! .
( آني خايف ) هذا الاسم يقطف حقيقته ببساطة مدهشة . ثمة ارتعاش في صوت ماجد يبدأ مع بدأ الأغنية .
( آني خايف لو أجيك قلبي مني يطير ويسلم عليك..
هذا مو شوقي اللي بيا آني بيا النار أضعاف اللي بيك)
ذلك الشوق الذي يعقد الحنجرة في الصوت الساكن .. في الصوت الذي يحتد مثل وتر في ليلة شتاء قارصة .
كل كلمة تأخذ تأكيدها من صوت ماجد .. من اللحن الذي يمضي في نقراته تأكيدا تأكيدا .. رغم مافي ذاته من الحيرة.. حيرة الخائف من الارتكاب . الخائف من أن يكون ذاته بحقيقته الكاملة فيبكي لأن لحظة عودته كانت بعيدة بما يكفي ليرتعش لها كل حي / حب يسكن فيه . ذلك ليس تخمين الطعن المسبق .. ففي الصوت والكلمة إيمان جعلني أتوقف لهذه الأغنية الرائعة الرائعة بحق . كيف لا.. من يأتي بصوت يمد إحساسه نصلا طويلا .. طويلا وحادا بكيفية (قالو انت تغيرت ولغير ناس انت صرت .. وأنا أبد ماصدقت حتى لو متغير أدري مو بيديك ..كل شي ممكن إلا إنت.. انسى حنينك … مستحيل !) ذلك صوت الحقيقية والملائكية المفرطة ..تلك التي أؤمن بأن لا قلب سينجوا منها إن كان ثمة مايمكن أن نسميه حبا حقيقيا . تلك الطاقة الأبدية التي لا تموت .. ولا تتحول في ازدحام الكائنات الممكن حبها .. والقصص الـتي من الممكن ارتكابها .
( كل شي ممكن إلا إنت انسى حنينك … مستحيل ! )
كل شي ممكن إلا انت … تصعد في صوته كون بكامل تفاصيله يزدحم حوله .. إلا حضورها / الكون الذي يهمه يسقط في المستحيل ..يبرروه التغيير بالقدر والنصيب . يبرره كل ما لا يمكن أن يقع في يقين محب أسهل معه الإيمان بالخرافة والاستحالة وكل ما لا تشك الملائكة فيه .
( حتى لو متغير أدري مو بيديك) ..
ذلك الإيمان برقة وطهر الحب .. تلك تعزل الشرور لمنطقة بعيدة بعيدة .. تكفي لتلم ( كل شي ) في كون بكامله لا يهم . لا يهم أبدا .
(كل شي ممكن إلا أنت) .. هذا الرفض يقدم ( لا منطقيته ) أمامه بإيحاء فادح بالشجاعة في قول ما لا يقال لعاقل . لا يرتكب شيئا سوى الحب.. اوقف عقله له لأن الدفق في روحه يجرفه لنقطة لا يمكن مقاومتها بفروض العقل وحكمته .
( أنسى حنينك .. مستحيل ! )
رباه كيف تلم كلمة الحنين كل تلك الرهافة .. ازدادت عذوبتها في وقوعها بين سينين خرجت من المهندس في غاية الشفافية .. كأن الجمل قبلها تدفع بسفرها المتوالي تلك الجملة تحديدا لتمس بأطراف أصابعها .. قلب الحبيبة! .
العمق الذي تسقط فيه الياء واللام ..عميق بالقدر الذي يعطي للاستحالة غورها في الحقيقة والدوام .
والنقر لا زال يؤكد جنائزية اللحظة . يرتجف هو الآخر مثل سعفات النخيل .
هذه أغنية أعطت للمهندس فرصة لتمدد حنجرته .. فرصة لنقبض على تميز صوته بطريقة أعمق .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:موسيقى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























