(2)الغاية الكلثومية في وسيلة اللحن / انت عمري

كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص

أفكر كلما حلت موسيقى في دمي محل روحي وأشعرتني بأنها أخف علي من نفسي وأثقل من همجية الواقع الملموس ..عن الأسر .. وعن الاستسلام الذي يوحي به الإبداع سهلا وراقيا ..

هل العظمة في أن تجد الكلمة مكانها المناسب جدا من اللحن .. أم العظمة في أن تقود أم كلثوم ركب ملحنين زمانها على اختلاف مدارسهم لشخصيتها العبقرية الفريدة / الواحدة الصعبة الصعبة . أم العظمة في أن يجد الدم المنصت لها فرجة ليفور .. فلا يكون أبدا في مكانه القديم

أم في أن تجد الأعصاب المحفزة للتساقط عاطفة عاطفة ملجأ لتساقط رحيم .. وخال تماما من أي كارثة ارتكاب .

عبدالوهاب حين أراد أن يحضر بقرب أم كلثوم لم يستجلب كل حورياته الموسيقية فقط.. ولم يلفلف أقزاحه زنانير تتمايل بماء الحب ليلمع كل شيء بما في ذلك الظلمة . بل جعل من عظمة أم كلثوم ..ترق .. وتلحق بحورياته . هل هذا لأن اللحن وازى عظمتها ! . أنا لا أظن هذا .. أعتقد بأن اللحن استخرج رقة ماخلف تلك العظمة ..دون أن يخدش ملكوتها وهيبتها .

لعبدالوهاب ذائقة مرهفة تلتقط الكلمة بقدرة عصفور أنيق الذائقة شفيف الاختيار قادر على انتقاء ثمرات طعامه و قش عشه بحنكة العارف .. نموذج لفطرة الحياة وحسها العبقري العميق.

كلمات أنت عمري .. بسيطة بساطة أي شيء من شأنه أن يجد مكانا في الروح التي قد تبدو فكرتها بسيطة للوهلة الأولى لولا التراكم الشعوري الذي تستوعبه ..

محمد عبدالوهاب نقل تلك البساطة لتراكمها المعقد .. للحيز الذي لا تغدو بعده كلمة حب عادية .. أما أم كلثوم فنقلتها لتكون ثريا حب .. نجوم منذ الأبد تلمع .. وإلى الأبد ستفعل .

أن تغني أم كلثوم للشجن ..يعني أن تفلق دمعة الصخر لوجعين يتحاوران ويتشاكيان بحميمية العاشقين… لكن أن تغني أم كلثوم للحب من داخل الحب .. للحب من أجنحة الحب ..من روحه .. من رقته .. فهذا حقا صوت ممتد لقبلة أبدية .. لحضن لم يبرد قط .. ولن يبرد.

مدخل الأغنية .. ليس ناجحا كقصيدة تقطف انتباه القارئ منذ مطلعها فقط .. بل أيضا كأغنية تضع القلب موضعه منها منذ البدأ .. في شعور يتجمع منذ أول الموسيقى يتهيأ لفتنة الحب من أجل أن يبعثره صوتها متعة متعه . هي هنا قدمت لفتنة خالصة .. وحب في أوج اتقاده .

في أنت عمري (الذي أوله حب .. آخره عظمة ونور ) . لذلك كان أول أغنية الحب فتنة خالصة .. وعشق في أوج اتقاده .

رجعونى عينيك لأيامى اللي راحوا علموني أندم على الماضي و جراحه

اللي شفته قبل ماتشوفك عينيا عمر ضايع يحسبوه إزاى علىّ

انت عمرى اللي ابتدى بنورك صباحه

 

كيف يكون الحب الذي يجعل الإنسان يندم على شعوره بالألم .. كيف يكون الحب الذي تغدوا كل الجراح معه تافهة ..وكيف يكون الحب الذي يجعل الحاضر جميلا للحد الذي يندم فيه الماضي على أنه كان ! .

كيف يستطيع حب أن يأسر العمر في لحظاته فلا يدري العمر بماذا بدأ وكيف غدت القضبان المخملية امتداده ! . .انه الحب الذي يستطيع الخروج من دائرة الليل لحقيقة الصباح ووضوحه .

اللي شفته

عمر ضايع /

عميقة .. بامتداد الفناء وفكرة الخسارة .. لا أتخيلها تأتي في مكان آخر من اللحن أكثر وضوحا تلقي بذاتها في الآداء الكلثومي فتكون مثلما عليها أن تكون / ضياع كامل في الانحدار والخسارة .

في آخر الكوبليه الأول والثاني .. تجلت عبقرية الأغنية وتركزت في ( أنت عمري ) الطويلة / كانت قطعة من شوق .. شهقة حقيقية .. علو مفاجئ .. يأتي بعده لهاث شهقة أخرى تتضح في رئة الشعور المنهكة وفي الصوت الحساس جدا لهكذا اهتزاز عاطفي يلهث .. هكذا كل شيء يتجمع ليأخذ أنفاسه بـ ( اللي ابتدى بنورك صباحه) .

المثير حقا هو في أن حدة الشعور وذروته تكمن في أن تعاود الشهقة اهتزازها مرة أخرى .. في دفق بوح مشحون جدا لا يخرج لغرابة تسلطه عن كلمتين ( انت عمري) .. تلك العبقرية نقتفيها أيضا في ذلك الشهيق الشعوري الذي يغمر الداخل ويغور فيه في حين هنالك دفع في الصوت .. يخالفه في اتجاهه فيخرج ويخرج صعودا ..بينما يساويه في قوته وحدته .

ختام الكوبليه شهقات متتالية /( انت انت انت) وزفير واحد /( عمري)بهكذا رعشة يتجلى البوح اعترافا بين يدي الحب لا بد منه ولا يمكن بأي حال تجاهل الحاجة للتساقط فيه أو الصبر أكثر على صمته .

لا ننسى في الكوبليه الأول رد فعل الجمهور مرهف الصمت إذ كان أيضا شهقة عظيمة تستحق التوقف للتفكير في تلك التفاصيل الدقيقة جدا حين تقبض رئة الجمهور بتلك الروعة و حين نتمعن في أن ام كلثوم تدرك بوصلة التفاصيل و أن اللحن يأخذ جهاتها لأبعاد أخرى .

تعاود الموسيقى تمايلهابينها آلة أكثر رهافة من كل ما يحيطها من أصوات تأتي مثل حيوية الحب واستمراره مميزة برقة واضحة لا تختفي بين الآلات الجميلة بل تعلن نفسها صوتا واضحا للقلب ..للشعور الذي لا يقرأ بغير الموسيقى.

أد إيه من عمري قبلك راح ..وعدى ياحبيبي

أد إيه من عمري راح

ولا شاف القلب قبلك فرحه وحده

ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح

ما أجمل التطرف هذا الذي يأتي حين يأتي بهيبة اسطوريته صوتا ومعنى وشعورا .. هذا الثلاثي الذي ضمنت له موسيقى عبدالوهاب مرورا آمنا باتجاهنا ..

ما أصعب الحب الذي يأتي مثل الهبة .. بل ما أصعب التحدث عن حزن لا يأتي بحجم لحظات محبطة يمكن حصرها ..بل يأتي بسعة عمر بأكمله لا يمكن الإجابة على سؤال عدده .. وما أجل وأهيب التعويض حين يأتي بالصوت الكلثومي حنونا بحجم العمر الذي راح وما فيه فرحة واحدة طاغيا مثل الجراح التي قضت على عمر بأكمله بكل ترصد . شجن كان في الصوت الكلثومي يغرغر محبته وارتماءه الدافئ… في أحضان عالم بكامله يأخذ شكل قلب.

أفكر أحيانا في سطوة الكلمة في أغنيات أم كلثوم و حدة شعورها التي سلطنت قلوب كثيرين صرنا ننظر الى صدق مشاعرهم اليوم بعين مندهشة . هل يكون لذلك التطرف في الشعور والكلمات طاغية الحضور أي علاقة بالنبل الذي كسى عالم الأمس بألوان صدقه .. أو ربما ذلك النبل ألقى بظلاله على الإبداع فأينع لنا ذلك العالم المتكامل ..العالم الذي لا يساوم في عاطفته بل يعيشها لآخر رمق ..

ثمة شعور تلتقطه الروح من خلال الأغنية يجعلها مثالا حيا و خالدا لذلك النبل.. إنه الأمان ..والثقة .

العمر الذي راح وضاع تكرر في بداية الأغنية بشكل يجعل من المدهش جدا جدا لمس اتكاء التكرار على المقطع التالي

ثمة رمزية أيضا آسرة اذا مو قورنت بشعبية اللهجة التي تتحدث عن اختيار القلب والفكر والذي يخرج عن أن يكون الجسد محورا حقيقيا للاختيار بقدر ما يأتي الفكر جوهريا جوهرية القلب الذي في العيون يسمع ويرى ويتكلم .

ابتديت دلؤتي بس أحب عمري

ابتديت دلؤتي أخاف .. أخاف لا العمر يجري .

كل فرحة اشتأها من ابلك خيالي

التآها في نور عينيك ..( قلبي وفكري)

ياحياة قلبي

يااغلى من حياتي

ليه ؟ ماقبلنيش هواك ياحبيبي بدري

كيف يحل الخوف محل الشجن .. وكيف يكون الخوف تعبير حقيقي للحب دائما دائما كأن الوجه الآخر للحب فيه من لون الخشية وارتجاف القلق . وكم هو مثير للذة أن يجتمع كل هذا في صوت عرفت عنه رخاميته وفخامته فيبدأ من النقر الطفولي لمساحات الرجاء .. كان رقصا طفوليا يعقبه احتضان.

وإلا ما سر الهدوء والنبض الذي جرى في صوتها عند ( اللي شفته) ثم الثقل في صوتها كأنه الجسد الذي انهكه التعب وصار يجر خطواته بكسل لذيذ .

انت عمري ليست تلك الأغنية التي تمتشق لغة فصيحة تحدج الصور وتجمعها لمعرفة فخمة . انت عمري مناغاة تستدل الحب بالحياة وتستدل القلوب بأصابع الأمهات وغمغماتهم .. بالطهر الذي يعرف البساطة ويقتفيها ويعرف لغة العيش

( انت عمري) ( يا حياة قلبي) ( يا أغلى من حياتي) كلها من تلقائية الحنان ومن صوت الإنسان الذي قد يأتي عاديا أو قد يأتي مدبج بالثقافة والمعرفة لكنه في كل الأحوال سيستخدم بوحا رقيقا بسيطا حين يتماس الحب مع حياته الحقيقية . انت عمري ليست النبل المفترض ولا الحلم البعيد . هي الحقيقية التي من السهل جدا على الجميع حبها والذوبان في معانيها/اجنحتها الشفافة والخفيفة والناعمة .

القانون حكاية أخرى يحكيها اللحن للشعور المشدود فيه .. نقر الدلال ذلك صوت من الرقة أن لا يكتب .. قد يرسم رموش تحلم وتحلق في إطار النافذة .. رموش يتسلقها النور وترمش فيها الرؤى والخيالات .. شيء يقع ضمن قبلة مفاجأة تنزلق على نحر ناعم لا ينز .. بقدر ما يلين .حقا قد لا يكتب حس ذلك النقر لكنه قادر جدا على زف صوتها بكل الحب المدلل .. هكذا كان صوتها بعد ذلك من بحة المخمل .

كلمات يصعب أن لا يؤخذ بها جيلنا المنتمي لكل بساطة

تلك الرهافة طاغية حد قبض القلب بحبل معلق بأرجوحة غيم

شيء قد يتخلق من خلاله المطر أسفل المظلة .. ليكون للرقص بلل يميع الأجساد في ذات الحين الذي يتميع فيه الداخل فلا يكون لأي شيء بعد ذلك مع الجفاف حجة .

صوتها في ذلك المقطع أشبه بدوخة تأتي مع الحب كاملة لتقول هيت لك

/ ( الليالي الحلوة والشوق والمحبة من زمان والقلب شايلهم عشانك) .. غنج ودلال عبقري وخاص إذ لو اتى بترتيب آخر لكان عاديا ومفرغا لأصبح لا أكثر من :

القلب عشانك شايل الشوق والمحبة والليالي الحلوة . ياه كم يبدو هنا أن للمؤلف روح تغور في الكلمات فلا تنسى في مصاعد النور نتوء يربك ذوبان الشمع في تحليق شعلته

وياه كيف يأتي الحب متكاملا فيدخل بوابة الجسد من أكثر التفاصيل روحانية .. فتبدأ لمسة الحب والحنان بلمس القلب أولا .

الليالي الحلوة .. والشوق والمحبة

من زمان والقلب شايلهم عشانك

دوأ معاي الحب حبة بحبة

من حنان قلبي اللي طال شوقه لحنانك

ياه للذة الفلاحين حين تتدخل ببساطتها نايات ودفوف بسيطة تفرح تفرح وترقص القلب مع الجسد ليصير البوح اكثر استعدادا للجرأة و أكثر اقداما على ان يقتحم التفاصيل الأكثر حميمة ..وليصير كل شيء مسوغ لرومنسية تفيض من القلب على الجسد الذي هي فيه

هات عينيك تسرح في دنيتهم عنيا

هات ايديك ترتاح في لمستهم ايديا

ياحبيبي تعالا

وكفاية اللي فاتنا

هو فتنا يا حبيب الروح شوية !

خرافي ذلك اللحن الذي ينتظم قالبا من قطن وغيم ليحمل رجاء صوتها الذي اذا تكرر و خرج بالفوات مخارج النعم الموعودة بل و أخذ شكل الوعود ..وكأن المجيء آخر ما يرجوه النعيم ليكون وليكفر عن كل مافات من فقر . خرافي ذلك اللحن الذي يأتي بسلطة الرجاء ليجدلها بسلطة الشكوى فتكون حنانا لا يمكن مقاومته ولا يمكن رفضه .. ولا يمكون حلول آخر الحب الا فيه .

يا حبيبي تعالا وكفاية اللي فاتنا

هو فاتنا يا حبيب الروح شوية

( كفاية اللي فاتنا) هي ذاتها الأولى لكنها في الأولى اتت (كفاية )خالصة .. أتت ملحة بآداء الكلثومية معبرة كما ينبغي لنفاذ الصبر لكنها وبعد ان داخلتها المواويل وهدأت الآلات تشفعا بـ ( يا حبيبي ) .. ورحمة بهدوءها وحزنها .. كانت حالمة أشبه بالهمس الذي يحتد اذا قبض في ذاكرته على ألم .. كان صوتها في ذلك الفوات قابضا على شوكه .

قد يكون قد تكرر كوبليه ( اللي شفته .. قبل ماتشوفك عنيا .. الخ) مرارا لكنه في كل مرة كان مستمرا بالشعور الذي يسبقه بآداء عادل لا يبتذله خصوصا خلف هذا المقطع الذي بحق أتى مستمرا بصوت الشعور حتى اذا ما تغير الشعور كان كل شيء في قبضة الانسجام والسلطنة والموسيقى .

( يا اغلى من ايامي )

( يا احلى من احلامي)

خدني لحنانك خدني

عن الوجود وابعدني

بعيد بعيد ..

انا وانت وحدينا

ألم نقل أن في الأسر ثمة بساطة وبديهة لا تدرك إلا بانتباه الكلمات المتواضعة والحاضرة في الحقيقة وفي الحب / يا أغلى من أيامي / يا أحلى من أحلامي .هنالك سيل مأخوذ بالخطف يتخفى ببرقع شجرة تكشف منه ما يعين الالتماع والسحر والغواية . هنالك شيء يذكر بآخر لطافة مست لسان حبيبة و اختفت خلف احمرار يعلنها ويخفيها . ثمة شيء يتجاوز الجرأة و يقف عند أطراف الحياء يُلمح للحمام فيسميه رب الهديل ولا يحلق بأجنحته .. يذكر العطش ولا يطلب الماء .

عالحب تصحى أيامنا

عالشوق تنام ليالينا

ثمة عظمة نعرف الآن في ظل العهر المأخوذين بذنب حضارته انها لن تتكرر بسهولة لتأتي بكل الجرأة في اختصارات الخفر .. تأتي بأعمق الحب تلميح كي لا يكون للذة الانصات وعد آخر غير السقوط.. او التحليق .

صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن

نستني بيك ألامي و نسيت معاك الشجن .

لا يمكن إلا أن تقول بعد هذا المقطع ( آآآه يا أم كلثوم ) .. آه كيف يمكن لهذا المدد أن يغرقنا بما يشبه الحقد على كل مافات لنغرق عميقا عميقا بشعور فادح بالزمن .. بشعور فادح بكل مافات وانتهت فرصة أن يعود ويتغير لتأتي في الختام لتسامح كل شيء .. ليكون الحب حبا وطهرا وملائكية وكبرياء .. يالله كيف يكون الحب وضوء لتطهر عميق يزيح كل ما يمنطق حضور الكره ليستبدله بنسيان حقيقي ومسالم .. ليستبدله بالمغفرة الصعبة والنبيلة .

يا لسطوة العفو .. لن نلام في آهتنا الطويلة بعد ذلك .. فيالله كيف يكون مصير كل ذلك الأنين المبطن والشكوى الحارقة في صوتها / الشجن .. مصير النسيان ! .أظن جدا أن هذا المقطع هو ذروة الأغنية إذ أن الذروة دائما ماتكون لتفصيل الأرقى والأرفع وهي هاهنا تفاصيل مدرسة تعلم الإنسانية في أنقى حالاتها حبا وتسامحا وطهرا .

ذلك الـ (أنت) ../ عمرها, حلقته بالملائكة ونذرته بياضا في أذهان الناس .. كيف لا يكون وبعد كل ذلك القدر من العشق يختم كل شيء بتوقيع السمو الذي أجمل أسبابه هو أنه عمرها .

هذه الأغنية تريد أن تسبق الماضي فسبقته .. شعرت بفداحة مرور الزمن لذلك لم يمر الزمن بها أبدا .. ولن يمر .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر