(1)الغاية الكلثومية في وسيلة اللحن / الأطلال

كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص

محاولة الكتابة عن أم كلثوم لا تشبه محاولة الكتابة عن خرافة بحيرة بلورية مختلطة برذاذ القمر يعزفن فيها حوريات بأجنحة بنفسجية .. ولا عصافير لأجنحتهن رائحة عطرية كلما غردن توالدت الحقول .. وتمايل الزهر .. كل هذا يمكن تجاوزه بالخيال , مالا يمكن تجاوزه هو مغامرة الكتابة عن الواقع الشاسع الذي لا يعبر عنه الواقع مهما كان شاسعا .. الدمعة التي لا يمكن وصفها بغير الألم لأن ملحها لا يوصف .. دفق أوجاعها لا يدرك أوله من آخره ..ولا السكرة التي تليها يمكن حجزها في الشعر أو الكلام . هكذا بالضبط تأتي أم كلثوم .. لا تتقدم الشعر .. و لا تلحق بالألحان المستحيلة ولا تُلمع حنجرتها الخرافية بالمقامات .. هي باختصار تأتي ضمن هذا كله .. هذا الذي لا يجمع بغير انفجار حقيقي للإبداع لا يبقي أمامه استحالة .. أو خرافة .

 

لأنها أم كلثوم لا يمكن وصفها بغير كونها ..أم كلثوم .

يجوز أن نسميها الأطلال العظيمة . حين تتذوق طعم الخلود من أرقى نكهاته النادرة , تغازل المحلية بذات النفس الذي ترفرف فيه بعيدا .. بعيدا جدا عنها ..و حين تصير نموذجا رائعا لأغنية اليقين الذي يستدرج الذائقة الرفيعة لأعلى مايمكن أن يهفهف روحها فلا يكون هناك حدود لروافدها مادامت كل جهاتها حزن ممزوج بحب ..

 

ترى أي شيء يشبه الحب الممزوج بالحزن غير الملائكية النقية .. ماء ممزوج بالصقيع .. بَرد أبيض ! .

 

العجيب في الأطلال .. هو في ذلك البياض الصقيعي كيف يسكننا بهدوء في خضم الدفء / الصوت قمحي واثق .. الكلمات من اقتحام نادر .. الموسيقى ذهب يتطاير شيء يعلوا على قدرة الضوء فيأخذ قدرة الفضاء على العتم و الاسوداد.. ليكون ذاته/ ضوء ارتفع ارتفع فتبدد في الجهات ظلمة فسيحة فريدة الاحتواء … الاحتواء الذي وحده يرتكب حضنا يميز كل الأشياء ويلتف حولها حنين وحنان ولوعة بينما هو لا يحتوى أبدا .

 

هذه الأغنية .. جوع وجزع .. مواكب قد تذبل عيونها الصفراء في السؤال عن الحاجة … مواكب قد تمضي من بعد ذاك التساؤل قانعة بالقدر لأن لا إجابة أخرى ستكون بحجم انفعالها غير طغيان ( المشيئة) .

 

قد يصير منطقيا أن ندرك تكدس الحزن حرقة حرقة في جسد أغنية يأخذ من الهواء المجنح أطرافه .. يأخذ من ( اللاحصر ) مكانا له في عالم البوح والاستسلام ..والرنة المدهشة . هذا ليس من خلال أغنية قد تعبر التاريخ بشبابها الحي الذي لا يموت , فهذه أكبر من المنطقية والإدراك .. يجوز أن نستوعب الفرادة الآسرة من خلال كلمة واحدة منها .. كلمة قادرة على أن تجعل الحلم في استطراده .. قادرة على أن تجعل الحنجرة السماوية محلقة في تحققها المعجز "(ربما) تجمعنا أقدارنا" ..( ربما) هذه من غرغرة الهديل .. لذلك ليس عاديا أن ندرك أن هناك طريقا لقول الحمام .. نفهمه لو وعينا بإرهاف السمع ذلك العمق الآسر في هزهزة الصوت ووقوفه .. في إغراء الصوت وانكساره … وفي قدرته على إلحاق انحناءه بانكسارات الآخرين .. ليؤجج فيها ذكرى الحب الذي مات .

 

يارب كم حورية كثيفة الجمال تتمايل في صوتها .. ترقص لينا يشد كل أعضائها .. فيصير التميع الثابت على أطراف أصابعه.. هو الثبات الذي لا يترك أي مجال ليتميع في حركة شبيهة لا تأخذ مكانها الأكيد .

 

كل الكون ناي .. هذا ماتقوله الأغنية التي تجعل من كل الآلات معان تتكشف للمنصت وحده .. التي تجعل من الناي صدر تتحلقه الآلات تسند رؤوسها على صدره .. صدره الممتد سرب طيور متجهة لمكان ترتعش فيه السماء .. وتعترف بأنها وحيدة ! .

 

الموسيقى أعمدة أنيقة تحفر في جسد الانتباه واليقظة انكشافها غير عابئة بارتعاش الوحدة والندم .. الكلمات سماء تستلقي على الأعمدة مشدودة لثباتها/ للحزن بأسفر حالاته وللخذلان .. اللحن أرضية من السحب المنقوش ببديع النغم والآلات .. قوافل لا تشذ عن طريق يتتبع فيه الارتواء سفر لا تنتهي لذته . أما الصوت الكلثومي فشرفة بعيدة مفتوحة لاندفاع الدمع نحو قدر استراحته .. قدر أن يكون نفسه دون ادعاء تماسك . قدر أن يكون الصدق .. و التعبير عن الصدق .

 

مع كلمات الدكتور إبراهيم ناجي و التحليق في لذة موسيقى السنباطي والحنجرة الكلثومية التي من سلالم ترقى هذه الأغنية بحق حقول نخيل شرقية … ساعة السحر .

 

كل شيء يبدأ هادئا حتى صوتها من حنين وحنان يهامس فؤاده ..

يا فؤادى لا تسل أين الهوى

كان صرحا من خيال فهوى

 

ترتفع الكان ..وترتفع .. لتشيد بها بناء الحب ..الصرح الذي يعلوا و يعلوا كلما امتد مد الـ ( كان) .. فيكون للسقوط فعل الدك … ليكون للحطام والأطلال صورة الهوى الذي يهوي على قدميه ساجدا ..يقبل الأرض بانكساره وتشظيه . بينما أول مايتشظى هنا خاطر المنصت .

 

( يافؤادي لا تسل أين الهوى ) … في نغمتها الحنون تأتي تماما مثلما على حديث النفس أن يكون . لا كما تقال لفؤاد يتمثل إنسانا .. هنا تقولها أم كلثوم لداخل عليه أن يفهم أخيرا معنى ( أطلال) ! .

 

اسقني واشرب على أطلاله

وارو عنى طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا

 

وحديثا من أحاديث الجوى

هي ترتل الهدوء لأن الروح تركن للهدوء الذي هي منه .. وإلا لماذا ( اسقني واشرب على أطلاله .. ) تلف الشعور الذي يرهف لها شغافه بكفوف حبيبين يسكرهما الدمع ..وخيانة الحياة العظمى ! … اسقني واشرب .. مالحة تمس أي قلب بلذة الموت سكرا حتى وإن لم يذق الموت في الحب أو الحب حد الموت أو أي شيء من هذا الانكسار المستحيل .

 

أغنية بكاملها تمايل الألم ليستمر.. تتوجع بأنين مفرط في الحركة .. لا يريد أن يهدأ … يريد أن يستمر في نفسه .. يريد أن يستمر في سكره ..في شكواه .

 

هذا لحن يريد أن يخلد بلمسه أطراف الموت الخالد .

 

لوعة تلوي اللحن كما يلوى القلب بلذعة الانتهاء .. ( كيف ذاك الحب أمسى خبرا ..وحديثا من أحاديث الجوى ).

 

أم كلثوم في هذا المقطع تطفو حنجرتها فوق ثقل وتفاصيل الأجساد ليأخذ صوتها شكل موجة أثيرية تتمايل بحركة متميعة تأخذ من القلب لينها ومن الروح خفة حركتها .فقط الحنين ينهض عن كل هذا .. لأنه لا يموت .. لذلك لا يدعه السنباطي يهدأ ضمن موجتها المستلقية !

 

لست أنساك وقد أغريتنى

بفم عذب المناداة رقيقويد تمتد نحوى

كيد من خلال الموج مدت لغريق

وبريق يظمأ السارى له

أين في عينيك ذياك البريق

 

هذا اللحن ولد ليكون ملحمة أسطورية لا حكاية أو ندرة أو جملة جميلة ومفيدة . .. فإلى هنا كان قد سرد اللحن في عتبه وشكواه سيرة الهدهدة إذا أتت في كنف جرح.. جرح مفتوح على مصاريع ألمه ..لذلك يتمدد ..يشسع بهدوء أم .. بمخمل العناية .. بدقة الخياطة . لا تلوموني حين أقول خياطة ..فحين يغادر صوتها بلينه الذي يمسد بلسمه جسد اللحن … يقف الأخير.. يستيقظ وقد أخذ شكل زخرفة تحتد وتثخن خطوطها الكثيفة تلتف نقوشها و تلتف بفن محكم .. زخرفة على أعلى ماتكونه اللغة الفريدة والآداء الراقي :

 

يا حبيبا زرت يوما أيكه

طائر الشوق أغني ألمى

 لك إبطاء المذل المنعم

وتجنى القادر المحتكم

 ترقص .. وتدور ..وتدوخ خيوطها تنسج اللحن رقصة العصفور المذبوح في يد حبيبه

 وحنيني لك يكوي أضلعي .. والثواني جمرات في دمي

 

ليصير لوحة الوجع المحكمة لبساط سحري يحلق فيه صوتها .. يحلق فعلا كما ينبغي للعلو والتمدد .. كما ينبغي لشكل النداء حين يصير نفسه حقا محض ( نداء) … وحين يصير حاجة حقيقية للحرية .. بنغمة العبودية والخضوع والأغلال المحكمة .. بالخشوع والرجاء.. بالأسر الذي يسجن الروح فلا يمكنها الخلاص بالقرابين .. نغمة في خشوعها كبرياء عظيم كما لو أنها نغمة آلهة قديمة تحادث بعضها في قصور لا تسجنها الأماكن .

 

ليست الهيبة فقط في ( أعطني حريتي أطلق يديا) بل في الطريقة التي أتت بها الرجاءات مشفوعة بكل شيء.. كل شيء خضع وفنى لعطاء العاطفة وتضحياتها .. أي شيء مثل حنجرة أم كلثوم يستطيع قول نداء بعاطفة اسطورية لا تملك شيء لأنها قدمت كل شيء مسبقا . أي تشفع ! . وأي انكسار تفعله هذه الشفاعة ! .

 

أعطنى حريتى أطلق يديا

إننى أعطيت ما استبقيت شيئا

آه من قيدك أدمى معصمي

فلم أبقيه وما أبقى عليا؟

ما احتفاظي بعهود لم تصنها

وإلام الأسر والدنيا لديا؟

  

كيف تأتي أغنية بعد هذا المقطع متسربلة بجلد البكاء .. يتساقط في السمع من لوعته . وتظن بأنها قالت عن البكاء في يوم ما أي شيء فادح ..أو بسيط ! .

 

يمكن كتابة مقالات كثيرة حول آهة الكلثومية تلك .. يمكن كتابة قصائد .. وأغان كثيرة تقول صدق آداء تلك الآهة التي نزعت من قلب بعد لم يبرد سلخ صدمته . كما يمكن الكتابة كثيرا في حديث النفس.. هذا الذي يتعمق في النفس فيخرج صوتا يهذي ..يتحدث للآخر في الحين الذي لا يتوجه اليه بالحديث … ( ما احتفاظي بعهود لم تصنها ؟ وإلام الأسر والدنيا لديا؟ ).

عبقرية اللحن بعد ذلك تتمثل في العودة من ذلك الرقص المذبوح لهدهدة التذكر ..للرجاء المسكون في النداء الأول .. للسرد الاستعطافي ( أين من عيني حبيب ) الذي يتحول شيئا فشيئا لمنطقة القلب ذكرى ذكرى في كل مافي الذكرى من لذة تفترض التمايل والموسيقى الأكثر حياة( واثق الخطوة يمشى ملكا) … التذكر شيئا فشيئا وبوقت قيياسي يخرج من منطقة استعطافه وتذكره لشجن فادح توقظه ( ظالم) … ظالم الحسن ضمن الرجاء تأتي بلوعة واتهام ومن بعدها يعود التساقط في التذكر اللذيذ والمتناقض مرة أخرى .. شحن شعوري من المستحيل أن تدرك تركيزه غير أغنيات أم كلثوم .

 

أين من عبنى حبيب ساحر

فيه عز وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشى ملكا

ظالم الحسن شهى الكبرياء

عبق السحر كأنفاس الربى

ساهم الطرف كأحلام المساء

 

بالقانون قادر اللحن على اللحاق بأسطورته .. في تلك الأوتار شحن خرافي لما يمكن أن يكون عليه العتب اليائس . آهتها تماما تأتي بمنتصف الشجن .. بمنتصف الطريق الذي يلوي اللحن فيه إصبعيه على طرف الروح .. يجذبها .. بحنو وحدة ..وغصة لا تبلع لكنها ناعمة ناعمه . وصولا لحقل القطن في صوتها .. الحقل الممتد لأحضان الشمس الدافئة .. الذي يلوي في بياضه ليل يتقرفص وينشج.. ينشج بصمت ألمه وحنينه وكبريائه وقلبه المحطم المحطم . ( أين مني … مجلس أنت به ) تتعمدها طويــــــــــــــلة تخترق الروح ..لبرزخها .. تخترق الآهة لمستقرها .. لمنشأها ومآلها . تخترق الأضلع لجنين الحب الذي مات وهو يراقب تخلقه . ( أين ) كثيفة ثقيلة ثقل التذكر والاسترجاع ..استرجاع تفاصيل تعبر عبور الصوت الذي يستعجل ذاته ..في الحين الذي يموت مرارا في الـ (أين) التي لا تنجوا من حرمانها أبدا .

 

كل ذلك ليأتي التساقط في الحنين أكثر أكثر حدة.. لائقا في الموت في الحنين .. في الدمع الذي يتكلم مندفعا من منتصف الصدر يهز حبيبه .. يهزه ( منك دنا) …( منك )..ليستيقظ هو .

 

( ها أنا حب وقلب هائم وفراش حائر منك دنا )

 

كل هاء تأتي بصوتها كل حاء كل حرف كل مد .. لا يخاف من انتحارية البوح الأخير.. يخرج كثيفا ثقيلا كانكسار النهاية ..كالحقيقية الأكثر مرارة من الانكسار .

 

لأن هذا الجرح امتد بما يكفي ليخدش الروح الملتاعة يعود اللحن بالآلة الخرافية / الحنجرة الكلثومية …الموسيقى الوحيدة التي يمكن أن تنجز الكلمة بشعورها الكامل ..تهزهزها من أجل أن تعود لسُكرها الشجي الأول .. للسكر الذي يسقطه الألم في آخر اللوعة . لأن السكر هو الشعور المنطقي الوحيد الذي تنجو به الروح … تتلبسه في آخر السقوط لتترنح ..فلا تتحجر ..وتقسوا أو تتحطم . كلما ارتطم بالروح مزيد من الذكرى ..تميعت … ولانت .

 

ومن الشوق رسول بيننا …ونديم قدم الكأس لنا

مع الذكرى يلين صوت الكلثومية .. ويتطاير .. يخدر .. يثقل .. يدوخ ..ومن ثم يتمايل …

 

يتخلص من حدته في شعوذة ألم .. يرقص فيه الذبيح على وقع لوم الذات وتقريعها ( هل رأى الحب سكارى مثلنا) صفع الروح المعتوهة بسكرها ..بغبائها .. بلا انتباهها وجنونها الأكيد .. بالشوق الذي تسكر خمرته فيضيع التمييز .. لتتمايل الروح المعذبة في سكر جديد ..هذا اللوم الذي يجعل خمرتها مزيد من الأوجاع والذكريات ..حريق حريق يتصاعد . طفولة ساذجة تسترجع كل الأشياء التي لا تعني لا منطقيتها إلا الحب البريء ..الحب الذي لطفولته لم يفكر مرة في النهاية ..

 

هل رأى الحب سكارى مثلنا

كم بنينا من خيال حولنا ..

ومشينا في طريق مقمر

تثب فيه الفرحة قبلنا

وضحكنا ضحك طفلين معا

وعدونا فسبقنا ظلنا

 

ترى لماذا تهدأ الأشياء بعد زلزلة تقريع الذات ..وبعد جلدها … لماذا أنفاس الأشياء تتصاعد حتى لا تموت .. لماذا لا ينتهي طريق الإنتهاء بنهاية ! . ولماذا حكاية النهاية تحلو في لسان النهاية ..مع أنها تطعن منتصفه . ولماذا الكمان حاد ومنزو ومجروح لهذا الحد ؟ !

 

أي شيء غير أجنحة صوتها وذلك اللحن الحاد والمهتز والخائف والحزين يمكن أن يعبر من هذا المعنى بسلاسة .. ليعبر عن استيقاظ لاهث .. استيقاظ المقتول على الوداع .. وداع كل شيء ! .

 

وانتبهنا بعد ما زال الرحيق

وأفقنا ليت أنا لا نفيق

يقظة طاحت بأحلام الكرى

وتولى الليل والليل صديق

وإذا النور نذير طالع

وإذا الفجر مطل كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها

وإذا الأحباب كل فى طريق

 

كلمات ترتدي عباءة اللحن الذي يأخذ تماما شكل الدهشة والصدمة والتعري والانسلاخ … في حين هي أصل الدهشة والتعري المنسلخ حين يقترب زاحفا يدب خجلا من نفسه ومن ماوصل إليه . ذلك اللحن في بوحه شأن الذي يملك الدنيا ثم يعود معدما في لحظة من كل شيء .

 

الذوبان تحت هيبة الحقيقة ..حقيقة الدنيا الحزينة والمعاقة كما نعرفها .. ذلك لم يكن رثاء قلب.. ذلك كان البكاء على الحب الشرقي كله . ارتعاش الموسيقى .. ارتعاش المضي بين أجساد الجثث بـ جسد يشهد ويحيا كل شيء ..ولا يموت وهو ضمن الموت كله .

 

كل شيء بعد تصاعد الشكوى كان يهدأ يهدأ .. يستسلم لحقيقة وجوده ..و يسكن .

 

المشيخ حكمة يبعثها الألم .. الكهولة حزن فادح سكن أدق تفاصيل صوتها المنكسر بعد ذلك .. تعب وخضوع واقتناع ..في الحين الذي كان فيه هذا اللحن بقدرته التعبيرية قادر على تنفيذ أسطورة القصة التي تنتهي بالعشاق ليكونوا مجانين الدنيا وحكمائها ! في حياته .. قادر على التعبير عن المشيخ في عز الشباب المشتعل .. قادر على أن يكون بأصواته الطربية حياة يمكن لها أن تستمر رغم انكساراتها المريرة وحاجتها للموت .

أيها الساهر تغفو

 

تذكر العهد وتصحو

فإذا ما التأم جرح

جد بالتذكار جرح

فتعلم كيف تنسى

وتعلم كيف تمحو

 

( فتعلم ) .. تبدوا موجهة لأكثر من الحبيب ..وأكثر من العشاق .. تبدوا موجهة أيضا للذات بأوجاعها وعذاباتها المديدة .. تسهل أمر الاقتناع والرضى الذي أراد الشاعر أن يكون سرا جوهريا في حياة الإنسان مثلما هو سر جوهري في حياة قصيدته .

 

خاتمتها المتكاملة ..

 

أم كلثوم مستمرة في الشجن الخالص والمركز مثلما يتركز الاستسلام في قعر الصدر .

 

السنباطي يدرج ثلاثة إشارات لعبقريته يوقع فيها هذا الإبداع الخالد ../

 

- ( ياحبيبي كل شيء بقضاء .. ما بأيدينا خلقنا تعساء ) مشحونة بالأناة ..بخطو الابتعاد .. بالمصافحة التي تأتي في النهاية بين أصابع خدرتها اللاحيلة . بالهدوء الآسر في اليأس المحكم .

 

- الأمل في ( ربما ) دغدغة بسيطة جدا .. لكنها دغدة حقيقة لا تنفذ لنتيجة لكنها تمثل شيئا لحبيبين كانوا كذلك كما ينبغي للصدق أن يكون جارحا وكما ينبغي له أن يكون أمنية أبدية .

 

- هيمنة الحظ التي اختصرها السنباطي في الطبول .. خفقان ينهي الأغنية بشعور جنائزي يناضر خشوع واقتناع الصوفية بالقدر .. بالعجز والانتهاء في تراجيديا الفكرة الفادحة التي تنتهي بأن يلتقي هذين الحبيبين ولا يعرفان بعضهما .

 

حبيبى كل شيء بقضاء

ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجعنا أقدارنا

ذات يوم بعد ما عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله

وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلى غايته

لا تقل شئنا فإن الحظ شاء

 

أريد أن أقول أخيرا أن هذه الأغنية تمثل بالنسبة لي الأنوثة الكاملة التي لا يمكن أن يدرك عظمتها غير أم كلثوم .. الكبرياء العظيم العظيم الذي يبوح حين ينكسر .. لا كما يكون البوح هذر وهذيان ينسى ..بل بوح لا ينقش على الصخر ..ولا على الماء ..بل على راحة القلب مباشرة ..حزنه وصدقه وحكمته .

هكذا كان رياض السنباطي في موسيقاه التصويرية أمينا ..انتشل الكلمة العميقة من محيطها الاعتيادي المكتوب ..

 

لمحيطها المحسوس في فضاء من الآلات المتناغمة .

 

هكذا كان الدكتور إبراهيم ناجي معبرا عظيما .. يقول عن الحزن مالا يستطيع الحزن أن يقوله عن نفسه دون غصة يصمت كل الكلام بعدها .

 

وهكذا كانت الكلثومية خالدة للأبد ..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر