Vangelis رجل النجوم الأسطوري

كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص

(Vangelis ) بتفخيم الجي هو أسم لملاك يجلب الأنباء السارة .. وأيضا هو اسم  لـ يوناني مستحيل ..رجل يرتب النجوم ويفجر مشاعرها ..في لحظة ! . رجل ما أن يقترب من الموسيقى حتى تصير فيها رعشة قلوب مدينة من الأمهات . بروح فلسفية مسترخية .. مستعدة دائما للتميع في لحظة خلق فريدة . في لحظة أسطورة .. لا عجب فمن يستطيع أن ينقل إيحاء الأسطورة أكثر من يوناني أصيل ! .

 

مع قطعة مشهورة جدا كـ chriots of fire لن نستطيع الفكاك من الإيحاءات التي غرست فينا منذ الصغر عنها عبر شاشات كثيرة جدا ولا تعد . مثل  التلفزيون السعودي الذي ارتبطت فيه بفخامة الأمراء  وهم  يزورون المعاقين والمستشفيات.. أو بالبرامج الثقافية الدسمة . هذه المقطوعة أتت في الأصل في فلم الأولمبياد chriots of fire.. المهتمين بتاريخ الأوسكار وتاريخ موسيقى الأفلام يعرفون اسمه جيدا حيث حصل على الأوسكار في قصة إبداع غير عادية إذ قام المخرج بتكييف الصورة على العمل فصور المشاهد تبعا لانتقالات الصوت لا العكس الذي يحصل دائما ما أصبح تكرر هذه الكيفية مع فانجالس في أعماله الأخرى إشارة واضحة للجودة المتطرفة في أعماله .

قلنا يعرف الكثيرون عن حصوله على الأوسكار لكن قلة الذين يعرفون تفرده في تقلباته وانفعالاته الشخصية التي اتضحت في امتداد تلك القصة  . في تلك الليلة 29 مارس كان يمكن له أن يحتفل بعيد الميلاد طوال الليل .. أو على الأقل ينتظر نتيجة الأوسكار بفارغ الصبر ..كلاهما لم يحدث . فقط أيقظه من النوم هاتف من صديق في الساعة الرابعة فجرا يهنئه بالأوسكار ! . يقول ( من التليفون كان يمكن أن أسمع التّليفزيون و الحفل الكبير في الخلفيّة . هذا الشّيء الغير معقول كان يستمرّ و كنت بعد في السرير ) هل هو بارد إلى هذا الحد ولا يمكن زحزحة مشاعره ؟!!  بالطبع لا فمن يسمع موسيقاه يعرف  على أي روح ينطوي ذلك العقل .. إذا ماذا حدث ؟ يقول فانجاليس في أحد اللقاءات التي حرصت على تتبعها لمعرفة القصة " ليس الأمر أنني غير مبالي . هذا الترشيح يجعلني أتوتر بقوة. و سواء أردت هذا أم لا، هذا تماما الوضع التنافسي الذي ضد الفن و الخلق " .

 

أي قطعة من مقطوعاته لا بد وتمضي في  جو خرافي يحشد المشاعر كأنها في جمع لا تخص روحا واحدة أبدا .. بل تبدو وكأنها انجراف عظيم .. والروح المنصتة في خضم كل هذا الدفع .

نستطيع تصور تلك الأجواء بأخذ عينة من أعماله كمقطوعة ( الجنة والجحيم) مثلا .. حيث يقول أحد النقاد عن إيحاءاتها  ( أجهزة المزج تضحك ضحكة نصف مكبوتة مثل الشياطين المشاكسين !! ) .

 

ولو أخذنا قطعة كـ  conquest of faradise لوجدنا الصراخ مادة موسيقية حميدة عنده .. الأنين صوت موحي .. كلها موجات في السقوط أو في التصعيد تميد بالروح التي تسمع ..تشتعل بها أو تأخذها في دوامة رغبات مجنونة .

في هذه القطعة تحديدا كان لصيق الألم والوحشة .. ومع أنغامه تلك من المبرر أن ينز أصغر عرق زافرا هلعه و خوفه ووحدته . هو متفرد للحد الذي لا ينسجم مع حالة الحزن البسيطة والعادية .. حين يأتي في مقطوعة كهذه هو يأتي بكل الصراع الذي قد يتقطع فيه داخل الغيرة .. أو القهر . مشاعر مجنونة وفي احتراق تتأجج . موسيقاه هذه متوحشة الاستحواذ .. شرقية السحر . همجية في دك المشاعر وتصعيد الصراع .

 

هل كثير أن نعرف أنه لم يدرس الموسيقى وتعلمها لوحده ؟  (هناك بعض الأشياء لا يمكن أن تعلّم أبدًا . لا يمكن أن تعلّم الخلق . ) هكذا يبرر فانجالس تدريبه لنفسه . وفي لقاء آخر يعود لبداية عمله منفصلا عن فرقته يقول ( لا أحد علمني كيف أعزف البيانو .. أُخذت له بالفطرة . لذلك منذ بدأت تعلم العزف ذاتيا وأنا أخلط الأنغام والأصوات في تركيبات خاصة بي .. أنا لم أعزف يوما معزوفة لم أؤلفها بنفسي )  بالطبع كونه لم يعزف لسواه .. هذا أكثر إدهاشا من كونه تعلم العزف وحده !! .

 

فانجاليس إنسان يؤمن بالتلقائية ويرفض تقييم عمله ( بعقله) تماما ..يثق بسليقته ويفي لها حدا يجد فيه أن عظمته الخاصة هي في إزاحة التفكير الذي مهما تطاول يبقى ضمن محدوديته التخيلية التي قد تتجاوزها كثيرا الموهبة  . هذه مغامرة خطيرة منه قد تحلق بها الموهبة ..أو تسقط في فشل ذريع  ففي النهاية أي ثقة قد نوليها للنفس الحرة المنفلتة ! .

هذه التلقائية مبدعة وخلاقة ومحمومة ولا تحتمل .. بطريقة يمكن أن نلمحها أو نميزها حين نوازنها  بأعمال أخرى  توازي أعماله في جانب ما كأعمال مايك أودفيلد مثلا الذي في أحد أعماله أخذ في تكوين و تجميع الأجراس التي سيعزف عليها عام كامل . في حين فانجليز أخذ في خلق الموسيقى و وتسجيلها وترتيبها ثم إعادة تسجيلها لألبومه ( الجنة والجحيم ) مالا يتجاوز شهر واحد !! .

بالنسبة لفانجاليس هناك فقط طريقة واحدة لعمل الأشياء هو فعلها فورًا و بصدق يقول : ( إذا أنفقت سنة واحدة على ألبوم، سيكون لديك تجارب جديدة أثناء تلك الفترة، ستغيّر رأيك، تغيّر ما قد كتبته حتّى الآن و تواصل التّحرك ببطئ . أعتقد أن آمن شيء هو تسجيل الموسيقى بينما هي تتكون في ذهنك بلا وقت للتّفكير في مالصحيح و مالخطأ . ) ليس هذا فقط هو متطرف لهذه الفكرة حدا قال في لقاء آخر :

أنا لن أعيد تسجيل شيء حتى إذا عزفت جملة رديئة ، لأنني لا يمكن أن أسترجع بالضّبط ما فعلته أوّل مرّة . العمل على الموسيقى مثل ممارسة الجنس تماما ، إنّه غير جيّد إلا إذا كان أمينًا و تلقائيًّا .)

من لم يسمع فانجاليس عليه ان يستمع اليها ولو من أجل هذه المعلومه / .. فانجليس العازف الوحيد لموسيقاه هو فقط يقوم بكل الأدوار على أجهزته الالكترونية يقول في احدى لقاءاته حين سألوه عن فكرة أن تؤدي موسيقاه فرق سيمفونية تتوزع عليها الأدوار التي يقوم بها وحده  : (عظيم ! سيكون رائع أن أستريح و أستمع لشخص ما آخر يعزف تلك الموسيقى الّتي عصرت عاطفتي وكثير من جسدي  . كم قطرة عرق سوف تكون هناك على حاجب كل عضو للأوركسترا السمفونية ؟ جميع قطرات العرق تلك ملكي ! (

فانجليز ( الدينمو ) أو ( طاقة فرن الصهر )  كما تصفه الصحف الانجليزية له مايميزه بالنسبة للوسط الفني الغربي .. إذ هو رغم طاقة الخلق التي يملكها إلا أنه يبتعد عن الأضواء مااستطاع .. يكره النميمة تماما .. لا يتعاطى المخدرات ولا الكحول ولا حتى السجائر !  .  إبداعه إبداع خالص منه لا تقوم به المنشطات بالأدوار الرئيسية التي في النهاية قد يوقعها باسمه.

 

هذه الطاقة الخلاقة فائضة أيضا لاتجاهات أخرى فهو فيلسوف إذا تحدث .. تشكيلي رائع إذا ما لمس اللون أعطاه من دفق روحه وحرارتها. ممسوس بالتصوير جدران استوديوهاته غالبا مبطنة بوجوه كثيرة تلهمه . وفوق هذا هو طباخ ماهر ! . أي حواس منفتحة يملك هذا الإنسان؟!.

 

فانجاليس بدأ مع الموسيقى في سن الرابعة . في سن السادسة ألف موسيقاه الخاصة و في سن الخامسة عشرة كان نجم بوب  ضمن  فرقة مراهقين تكونت في المدرسة تدعى بـ فورمينكس أخذت شهرة واسعة على المستوى الشعبي في اليونان. يقول فانجاليس عن هذه الفترة (كنت جدًّا محظوظً لأننيّ ذقت النّجاح المبكّر مع فورمينكس .  أن أعزف  أمام 10،000 شخص في الاستادات بكلّ هستيريا ..كان متعة كبيرة .  لكننيّ كنت غير مهتمًّا بذلك )  .

رغم أن هدف فانجليس كان ينحصر في صناعة الموسيقى إلا أنه حين انتقل إلى باريس لأنه كما يقول (في اليونان كلها لم يكن من الممكن أن أجد الأستوديو الّذي فيه يمكن أن أسجّل الأشياء الّتي أردتها )  كون فرقته الجديدة ( طفل أفروديت) التي كان  الملحن الرئيسي  فيها وفنان آلات الإيقاع .  نالت هذه الفرقة شهرة ضخمة وطبعت عددا من الاسطوانات الذهبية الناجحة عبر القارة كان أشهرها ( المطر والدموع ) . بعد أن انقسموا لم يحصد النجاح إلا المطرب الرئيسي (في الفرقة ديميس روسوس ) وبالطبع فانجاليس / الأسطورة  .

في  عام 1975 انتقل إلى لندن حيث أنشأ استوديو نيمو ( الخرافي ) نسبة إلى وصف المهتمين بهذا النوع من الموسيقى . في هذا الاستوديو اعتاد أن يسجل موسيقى المسرحيات و الأفلام  الأكثر أسطوريّة تلك التي داوم على خلقها حتى أصبح هذا العمل صفته العالمية الخاصة والأكثر فرادة بما لا يتكرر .

بين العام 87 و الـ 91 عمل في استوديو أنشأه في أثينا .. وفي الـ 91 أنشأ معمل إبسيلون في باريس حيث جعله في غالبه من الزجاج على قمة مبنى عالي في منطقة جميلة من باريس . بالإضافة لمعملين آخرين في الولايات المتحدة و في روما . أما آخر أعماله (في المحيط، الجريكو  ) فسجلها في اليونان / موطنه الأصلي .

 

إنجازات فانجليز القادمة التي تتناقلها الأخبار تقول أنها ستكون أسطورية يونانية .  منذ عدة سنوات  بلديّة أثينا، بالاشتراك مع المكتب السياحي البلدي المحليّ و فريق البحث ‘Navdomos’ عملوا على مشروع طموح لإعادة بناء السفينة الأسطورية "Argo". كانت هذه السفينة التي أخذت جايسون الأسطوري و أرجونوتس / ( أبطال يونانيون ) إلى كولتشيس، لإيجاد و إعادة الـ "golden fleece. . هذا المشروع المهيب المليء بالرمزية ذو القيمة الدولية والقومية الرفيعة . جذب انتباه وسائل الإعلام مؤخرا .

مدينة أثينا دعت الموسيقار فانجيليس لتصور التّكوين الفني للسفينة وماحولها من أساطير وأماكن لتنفيذ الحدث الكبير موسيقيا ، المزمع إطلاقه في صيف الـ 2007، في المكان الحقيقي في أثينا، من هناك ستبحر السفينة لكولتشيس . بعض الأخبار وتغطيات الحدث في الصحافة اليونانية والفرنسية والمواقع الخاصة بالموسيقار يؤكدون على قبوله الدعوة .

فانجيليس ربى في أثينا التي هي عاصمة منطقة المغنيسيوم و المثوى الأخير المفترض لبرج السفينة .

Argo بنيت باستخدام طرق قديمة دقيقة علميا كجزء من برنامج لعلم الآثار البحري في بحث تجريبي. وهو  مشروع طموح جدا أخذ سنوات طويلة  للتحقيقات الشاملة و الدراسات وثيقة الصلة  .البناء الآن انتهى و السفينة دشنت  في احتفال نخبوي صغير، حضره  الوجهاء اليونانيين و الأجانب، كان من بينهم  رئيس الوزراء اليونانيّ، في 17 سبتمبر، هذا العام  . هذا سيبَع بسلسلة اختبارات و تقييمات ستمهد للرحلة الرمزية الفعلية، البداية الني فيها سيأتي الاحتفال بحدث فانجاليس  . .

إنعاش رحلة"Argo" القديمة ، سيتم بإبحار رمزي لها يتوقف في الجزر اليونانية المختلفة و مدن الأسطورة، متضمنتا القسطنطينية، المعروفة الآن باسطنبول، في تركيا . 50 مجدفا سيشاركون في الرحلة ، بالنيابة عن كل الأبطال اليونانين في الأسطورة الأصلية الذي من بينهم كان هيركليز، أورفيس، و Telamon و جيسون ، سيتجمعون من كل دول أعضاء الإتحاد الأوروبي ليمثلوا دولهم في ذلك الحدث.

 

في  August من هذا العام تناقلت الأخبار عن أن Delphi symposium ( في الموقع الأسطوي اليوناني المقدس  ديلفي)  .. قد شرفوا فانجليس بجائزة ( قيثارة أبولو الذهبية ) . فانجليس لم يحضر مراسم الاحتفال لكنه أرسل لهم خطابه الذي يقول فيه :

" أنا ممتن جدا بقبول الشرف العظيم الذي تمنحونه لي . أؤكد لكم سأستمر دائما  في الخلق طبقا للقيم العامة التي تجسدها قيثارة أبولو . لكن اسمحوا لي أن أوضح لكم لماذا لم أنضم لكم هذا الليلة.هو قرار لم أتخذه ببساطة على الإطلاق  .  بالتأكيد هو صعب لأنني لا أعتقد أن ثمة أحد – بما فيهم نفسي- لا يتمنى الشعور برضى التشريف في هذا المكان المقدس . شخصيا، أشعر أن قدسية موقع ديلفي لا تسمح لي بالحضور وتلقى القيثارة الذهبية لأبوللو. دعونا نبقي هذه المواقع مقدسة، و أنا متأكد أن أماكن أخرى ستكون موجودة دائما لاستضافة شئون البشرية ."

آخر أعماله كان العمل على موسيقى فلم الكساندر و فلم عن الرسام اليوناني الكبير ( الجريكو ) .

آخر أخبار العام المنصرم كانت فوزة بالـ "World Soundtrack Award" بتصويت الجمهور . و إنجازه  مالا يقل عن ساعة ونصف من موسيقى مسرحية إيرين باباس لأنتيغون تمثل نصف مدة العرض كاملا .

أدوار الكورس ( الذكور والإناث )  في الموسيقى أُديت في المسرح وعلى الهواء بطول تسجيل موسيقى فانجليس .

 

رغم كل هذا فانجليس كشخص يعمل على الموسيقى الإلكترونية يهاجم من العديد من الجهات التي لا تؤيد دخول الآلة الإلكترونية أو الكمبيوترية على الموسيقى . كم يحنق فانجليس كثيرا على مثل هؤلاء و يظن دائما أن أجهزة المزج الصوتية تتلقى نقدا أكثر من أي أسلحة تنتج في كل هذا  العالم الّذي ينهيه البقاء فيه  , فالقنابل الذكية مثلا والتي تدخل مبنى من خلال أنبوب التهوية في كثير من الأحيان تتلقى نوعا مختلفا من الإعجاب . لكن أجهزة المزج تسمى ( تجردا من الإنسانية ) ! يقول فانجليس بنبرة أسى واضحة (  أصبحت معتاد على ذلك التناقض، بالرغم من أن هذا لا يعني أنني غير غاضب منه . الماكينات لا تجرد من الإنسانية : النّاس الذين يستخدمونها بطريقة خاطئة . الموسيقيون السيئون الذين يعملون عليها هم الذين يفعلون . ).  

 

مثل التنوع الطبيعي يأتي حادا متطرفا إيقاعيا ناعما بكل الروحانية والتلون ..فحتى الوحشية النافذة في الطبيعة فخمة وروحانية وملونة . هكذا أيضا موسيقى فانجليس وألوانه . هكذا يقول بالفعل حيث يتواضع حدا يخرج فيه عبقريته ليلبسها طوق امتنان للطبيعة التي تحيط به  ( أعمل مثل جسر بين الطبيعة وأصابعي .. ) .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر