شربل روحانا ..السمع المغرور والفردانية

كتبهاضياء يوسف ، في 1 يناير 1992 الساعة: 01:00 ص

شربل روحانا .. للروعة يمكن التعريف به من خلال عوده فقط الذي لازمه أكثر من عشر سنوات .. فما بالك لو انضم لعوده باقي آلاته للتعريف به  ! .
شربل اسم موسيقى نحت الصوت في ذاكرة الأبد ليكون في عز حاضره الإشارة الواضحة لتاريخ سيكرره بحرص أكيد . عوده حالة خاصة جدا لا يتتبع فيها غيره ..عصفور بحنجرة كبيرة يغرد فيها الكلام على سلالم ترقى .
أعني كلمة ( كلام) جدا فهو يبدو من أبلغ المتكلمين المستفيضين بتعبيراتهم الموسيقية . مثلما قد نجتمع في معنى ونختلف في التعبير عنه .. مثلما قد تختلف حروفنا ونتجه لذات القصد ..شربل روحانا يمتلك أسلوبا راقيا في التعاطي مع آلته .. لا يشبه الآخرين لكنه يتجه لناحية ذات الجمال . يعبر بموسيقاه لكنه لا يأتي بقول يشبه قول غيره ..مفردته الموسيقية له وحده ..مثلما إحساسه يمتطي موجة أخرى . روحانا هو مؤلف منهج العود المعتمد لدى المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار).يقولون أنه يشبه الرائع مارسيل خليفة ..أنا لا أظن ذلك.. لكنني أؤمن بروعة الاثنين. 

الإنسان يشعر بما يقارب  الثلاثمائة نوع من المشاعر ..من مجموعها  لا يستطيع التحدث أو تعداد غير 8 إلى 10 من  المشاعر المبسطة فقط. هذا فعل العادة في البشر . مالم  ندرك فداحة هذه الحقيقة جيدا لن ندرك فعل الإبداع والتجاوز في التعابير الموسيقية عن تلك المشاعر..خصوصا عند ( شربل روحانا) إذ هو بقصد أو بدون قصد يقع ويفند سلسلة المشاعر تلك بتفاوتاتها ..يصنع منها توليفة الحالة الواقعية ..الأقرب للحقيقة  .
روحانا .. إنه الموسيقى حين تبدأ من نفسها فتعبر عن كل الأشياء بثقافتها الموحية والخاصة . لا من ثقافة تتلاقح واللغة / أقصد حين يكون للغة فعلها وسطوتها على المؤلف الموسيقي فتعطيه من اختزالها الذي يخرج المعاني الشاسعة بكلمات قد تكون من الضيق بحضور . موسيقى شربل ترفض هذا النوع من الفعل / الرمزية المركز .. فتأتي فضفاضة معبرة .. في موسيقاه ثمة الكثير ليقال عن كلمة واحدة … حالات تتعدد وتتفاوت  قد نختصرها في الكلام بمفردة ! .
ستتعرف عزيزي القارئ جيدا بما أقوله بل وستمسه بمشاعرك  حال تحفزك أسماء مقطوعاته للتفكر . " فالس الطفولة " , " حكاية كل يوم" , " عشق" , " نون منفردة " , " وتبقين حبي" , " سوار" , " مزاج علني" , " عم اشتقلك" , " فلامنكو" , " كانت أيام" .
مالذي يمكن أن تحويه من التراكيب المعنوية هذه الكلمات ! . الحالة الموسيقية المركبة هي تماما ذاتها الحالة الموحية السادرة المعنى في تلك الأسماء التي لا بد سوف تتبعها محاولا اكتشافها في القطع الموسيقية ..فهي لن تفصح عن ذاتها مطلقا بعيدا عن تتبعك ..
أليست هي هذه الحداثة ! / الحالة التي لا تمنح نفسها لمتلقيها بسهولة ومباشرة ..الحالة التي تفترض بمتلقيها  انسجاما وشغفا مسبقا ! . في ذات الحضور الذي قد تكون صعوبته في رقته وبساطته المفرطة .
في هكذا تعقيد يطرحه روحانا قد يبدو من المدهش أن عزفه رقيق ..أنيق و  من الجاز العربي ..بمكان !  .
خصوصا إذا عرفنا أن شربل من خلال الجاز تحديدا وجد لموسيقاه هوية مبتكرة لا تخرج عن شرقيتها .. بل لأن الجاز  لون عالمي كان التمسك بشرقية آلته غاية في التأثير . توظيف العمق الشرقي ليكون يشسع العالمية  مادة تُرجع الثقافة الإقليمية والوطنية بطاقة تكفي ليمتد الصوت فيطرق مدى أكبر من الأسماع.. بروح مهجنة نعم .. لكنها روح أكثر مرونة وتعبيرا ورقيا  . إذ لا أظن في ظل العولمة الآن أن ثمة هوية أصيلة تصل للآخر مالم تتقارب ولغته المحلية . الجاز أعطى هذه المساحة من التنوع مضيفا للكل حضوره الخاص  .  أعتقد أن شربل روحانا في الجاز الذي قدمه كان وفيا لقلبه وعقله معا .

 

بالطبع الجاز ليس كل شيء أطلقه شربل للإبداع والتسامي فالحساسية الموسيقية ومجموع الحالات التي تدلف من خلال موسيقاه جامعة العلو والهبوط في كل واحد و حركات أنيقة..   تستوعب الأكثر حتما من مجرد لون واحد .
شربل يعظم من شأن العود .. يستخدم آلاته الأخرى ( غير العود) أحيانا كنوع من الخلفية والإتزان لعوده . لتصير مساحة عمله فضاء من الآلات يلبي نداء النغمة الشرقية النابضة في عوده المرن والمتفاعل .
شربل مبدع بما يكفي لتكون ألحانه / تعبيرات مجزأة .. مختلفة يربطها بكل واحد شاسع لكنه متماسك إذ يستعين شربل على تعدده بحركة مفاصله اللحنية  المرنة بدرجة تكفي لتكييف السمع فلا يشذ الصوت فيه أو تشعر الروح المرهفة بأي انتقال حاد بين جملة لحنية وأخرى . .
يقول أحمد الواصل : ( السمع مغرور بين الحواس كما هو أحد أوصافها المناسبة للأنانية الفردانية والأرشفة عبر امتلاء الذاكرة)
بأخذ هذه الكلمات بقصد الوعي سيكون حتما التلقي المميز لبعض الأصوات من فعل  الغرور والامتلاء . أحمد من خلال هذه الجملة المركزة يفصل المستمعين العرب ليلمح إلى أن ثمة أعمال قد لا يتذوقها سوى النخبة . أنا أعتقد جدا بالمنطقة الجمالية الوسطية التي يستطيع بعض المبدعين القبض عليها فتكون أعمالهم مكدسة الغرور السمعي بذاتها ..لا بذات متلقيها ..فما أن تفتح  للموجات الصوتية حضورها حتى تمثل للأذن( كل أذن) ترفا حسيا وروحيا قد يقع في النفوس بتأثير متفاوت تحكمه خلفية ثقافية شخصية لكنه أبدا لا يتراجع عن سطوة حضوره وإدهاشه .  فإن لم يضمن الانسجام ..سيضمن الشعور برقيه لا محالة  . أعتقد أن شربل روحانا ضمن أولئك القلة الذين يتعددون  بحجم الأمزجه لكنهم لا يتخلون أبدا عن رقيهم وكثافتهم .

قلت أن شربل يسخر الآلات لخدمة العود .. كما قلت أيضا أن هذا الموسيقي بليغ حد السحر . في قطعته ( عم اشتقلك ) يحشد الآلات لنوايا العود الشرقي .. ويمارس بلاغته . حين يتحدث عن الشوق يبذر الوحشة في طيات موسيقاه .. يأخذ الهروب بذنب الخذل ..ويأسر كل هذا في لحظة ذكرى لاحقه..هادئة مستسلمة وقد تأتي للحسرة..مبتسمة أيضا ! . في قطعته الحلم تلك  يقول شربل مجموع المشاعر كلها التي تجتمع بتفاوتها  مكونة حالة واحدة نسميها نحن مجازا ( شوق) .
في " فالس الطفولة" ثمة فوضى تترب في ميلان لعبة .. يلحق به التعب في براءة وهدوء تعود بعدها الموسيقى للتحليق شيئا فشيئا..مثل أطفال التقاطوا أنفاسهم . الموسيقى ناعمة ومن الطفولة والانطلاق بمكان . ضخ شعوري في طاقة حركة غير عادية ..حركة تأخذ من المتعة والتحرر مايكفي ليأتي بعد ذلك ما يحمل المستمع على كف تحليق.. في دورانها تتضاءل الصور وتتحرك حتى لا يبين ولا يعود مهما أن يبين شيء من العالم المحيط..تماما مثل حبيبان يرقصان  .. تماما مثل رقصة تعيش الحب  حركة وانقطاع . أكثر مايحفز في تلك الموسيقى استشعار اللهاث  ..والتعب ! عقب تلك الحركة الضاجة .
 
تتحدث الصحافة عن كتابته وآداءه لأغان ساخرة ولاذعة للمجتمع اللبناني لم أتواصل للأسف معها لأعرف على الأقل مايحدث مع الموسيقي الجميل حين يحول حنجرته لآلة .. فيغني ! .
أكثر أعماله التي أثارت الناس والأوساط الثقافية خصوصا عمله المشترك مع مارسيل خليفة ( جدل) الذي امتزج فيه عوده بعود مارسيل مكونان بذلك تحفة تلقائية راقية .

……………

"شربل روحانا" :

واحد من أهم وأفضل عازفي العود في لبنان والعالم العربي. ولد عام 1965 في بيروت. درس الموسيقى في الجامعة اللبنانية وحصل عام 1986 على دبلوم في آلة العود، وشهادة الماجستير
في الموسيقى عام 1987. من الأشياء التي ميزت "شربل" كونه ابتكر طريقة مبتكرة في العزف على آلة العود ذات التقاليد العريقة في العزف، وهو بجانب نشاطه الموسيقي الواسع، يعمل كأستاذ للعود في نفس الجامعة التي تخرج فيها.
يقوم "شربل روحانا" بإحياء حفلات حية منذ عام 1984 في العديد من الدول العربية والأوروبية والآسيوية، من خلال مهرجانات وأحداث موسيقية كبيرة، كما ألّف الموسيقى للعديد من العروض الراقصة، مثل عروض فرقة "كراكلا" اللبنانية المعروفة: "ملكة قرطاج"، "الأندلس"، "ألف ليلة وليلة".
استطاع "شربل" بمؤلفاته الجميلة لآلة العود، أن يضيف على موسيقاه الشرقية الأصيلة خلطة من الآلات الموسيقية غير الشرقية مما أضفى على موسيقاه طابعاً مميزاً بحق؛ فانتقل بها لأبعاد وثقافات أرحب، وهو ما يفسر الجوائز الدولية العديدة التي حصل عليها.
يحمل "شربل" من خلال موسيقاه خلاصة الموسيقى العربية بمقاماتها وإيقاعاتها وأمزجتها المختلفة، كما أنه بإحساسه المميز كعازف وملحن، استطاع أن يضفي الكثير على هذا التراث، لكنه في نفس الوقت يعتبر أحد أهم المجددين في عالم الموسيقى العربية اليوم، بانفتاحه على الموسيقات الأخرى، واستعارة روحها من خلال موسيقاه الجميلة.
شربل روحانا
Discography
:
• تنشوف 1986
• يوم عليك 1990
• ذكرى 1992
• سلامات 1997
• مدى 1998
• مزاج علني 2000
• كي لا ننسى 2001

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موسيقى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر