ضياء يوسف .. عصفورة برأس أحمر

يناير 1st, 1992 كتبها ضياء يوسف نشر في , لقاءات

ضياء يوسف .. عصفورة برأس أحمر

 

أدين للكيفية التي صنعني بها الله وأعيشني بكل تفاصيلي

لست وفية لمدرسة وأجدني أقرب إلى التعبيرية التجديدية

مجلة أبولو ود كانت ثمرة سبقت شجرتها

الاستطيقا واجهت تحديا كبيرا أظنه مازال مستمرا

ثمة وحي يدلل الجميع بجمالياتهم الخاصة

الرجل هو الأمان المطلق والمرأة وردة تحدق في الشمس

 

 

 

حاورها / يوسف الرفاعي

هي .. مثقفة متمكنة من أدواتها .. قادرة على نسج الكلمات بحرفية لتصنع من سطورها لوحة تشكيلية جميلة تنتظر من يقرأها بحصافة وعمق . الناقدة والتشكيلية ضياء يوسف واحدة من نساء قلائل استطعن التمرس في حرفة الكتابة وجمعت في الوقت نفسه بين الحس الشعري الراقي وبين إبهار اللون حين ترك ريشتها تداعب اللوحة لتشي بدواخلها العميقة ولكن بكلمات من عالم خاص . . عالم يدرك بحق خطورة الكلمة عندما تكتب بنكهة الريشة . وجمال الريشة عندما ترسم بشاعرية . ضياء يوسف امرأة محيرة .. يصعب أن تلم بأطراف فضاءاتها بهذه البساطة التي قد تتخيلها للوهلة الأولى . ولكني على أية حال اقتربت منها أحاول استكشاف عالمها بعد أن وضعتني الصدفة في طريقها وبهرتني كلماتها في نقدها لبعض النتاج الأدبي ثم عبر موقعها الراقي الذي ينطلق لا بعفوية بل عن سبق إصرار . ثم يتوجه لا كيفما اتفق بل وفق نعج أعجبني . في السطور التالية أبوح بردودها على تساؤلاتي التي اختصرتها لأن المساحة لا تكفي للبوح بكل شيء .

 

 

 

لذة خطرة

 

+  إذا أرادت ضياء يوسف التشكيلية أن ترسم لنفسها لوحة فماذا سترسم ريشتها؟

 

إذا كنت تقصد أن أرسمني .. فعندي اعتقاد ضعيف بأن من السهل أن أتخيلني أرسم نفسي بنرجسية نواة أو جنين .. حين أظن بأنني الوحيدة التي سأرى لوحتي بالطبع  . بينما في حين البوح قد أتخيلني سمكة صغيرة مائعة في بحر لشد مايحيط بها تتزلق من يده فلا يقبضها أبدا.. وهي فيه .. / سمكة قبضت خاصرتها سنارة صدأة لذلك بقي فمها مشرع للكلام / حريتها الممكنة التي لا تحتاج  المباركة لتتحقق .

لكن خارج إطار التخيل كيف يمكنني أن أرسم نفسي و أنا لا املك بعد من التصورات والأخيلة ما أستطيع به تفتيت هذا الواقع الكبير لأشياء يمكن أن أنجح في ترميزها .لا أقول كبيرا هنا لولا أنني  أعيشني تماما وبتفاصيل متعددة ومتناقضة وشاسعة ممتدة..

بودي لو أتمكن من ربط نفسي بالعلاقات اللونية والخطية بتعمد رغم ما ينطوي تحت هذه المغامرة من لذة خطرة .. فأينا يمكنه أن يعلن ذاته بالتجلي الكامل !   .

 أؤمن أن في التشكيل خصوصا ..التعبير عن الذات هو في الحادث خارج إطار المتعمد الذي تقع ضمنه مخرجات التعلم والفلسفة والذكاء الإنساني .. الخ . لذلك  ثمة مبالغات وأناقة و تقليد وتطوير و تدبيج معين سيلحق بالفنان سيحرمه التعبير عن ذاته المجردة حتما . اتمنى أن هذا اعتذارلائق عن عدم تمكني من تجاوز أناي لتفتيتها وتحليلها والخروج بجوهر يمكن رسمه دون أن الوثني بسلطة التعمد أو الوقوع في الضجر من إتمامي .

 محال أن يرضيني إلا أن أخلق نفسي مجددا .. الأمر الذي يستحيل أن أدعي امتلاك أدواته. 

هذا في حال كنت تقصد رسم نفسي أما إذا كنت تقصد أن أرسم شيئا لنفسي  فلن أتردد في رسم  عصفورة برأس أحمر .

 

عزلة وطموح

 

+  كيف تصف ضياء يوسف الشاعرة والكاتبة نفسها في خمس كلمات؟

 

عزلة شغوفة بالإيمان والطموح والمحاولة .

 

من صنع تميزك ؟ وكيف؟

 

أدين بي لـ كن الإلاهية وللكيفية التي صنعني بها الله .. ولوالديّ  الذين ماواتاهما الصعود بسلم إلا وقدماني

.. وللظروف أتت حينا مترفة علوية وحينا أتت عسيرة كما ينبغي للانكسار والعناد والثورة .

لمعلمة حين اخترت الطب أمنية أقسمت بأنني لا شيء غير صحفية وأخرى  في محاولة لدفعي باتجاه اللون

كدراسة جامعية أسرت لي بأنني أكثر مهارة منها . كثر أولئك الذين أغدقوا بي ملائكتهم .

أما الكيفية فذلك شأن الذي  تتفاوت أقداره / يعلو ويهبط فيعرف في علوه أن ثمة سماء وامتداد ويعرف في هبوطه أن ثمة قاع بتفاصيل أخرى . دون أن يمضي عمره ينتظر دروسا تعلم مافي القاع والعلو .

بل العكس من ذلك في عزلته تتجلى له العوالم ,يصنف الوجوه ويتذوق جمالياتها كأن لا أصوات فيها جارحة ولا عيون تخترق المصير والقلب والذاكرة .

كل الأشياء في ذلك الـتقلب لأنها بعيدة بما يكفي تتنصل من أرواحها القاسية لتبقى محض قشرة مثالية جميلة  مفرغة تماما من ذاتها الهمجية , قشرة لن تتفتت مادام في الغياب ما يمسك يدي عن الامتداد إليها ولمسها .

في المراقبة والترقب ثمة شسوع يكفي لتأخذ كل الأشياء ندرتها وقيمتها الرفيعة .. ثمة وحي يدلل الجميع بجمالياتهم الخاصة .. ثمة عين تسبح .. أجمل من كل العيون ترقب أرواح الجمادات .. وإبداع البشر بصفاء محب وحيادي .

 

 

 

مدرستي تعبيرية تجديدة

 

+   اجتمعت لك موهبة الرسم وموهبة الكتابة . ففي أيهما تتألق ضياء؟

 

لا أدري لأي مدى قد يشعر الضوء بنفسه ليقيس تألقه

 لأي مدى قد يقدر المصباح حجم زيته الذي فيه .. أقصد مادامت عينه على مسافة الظلمة التي تحتاجه.

الروح لا تعرف حجم هالتها بينما عين مهتمة قد تنفذ إلى شسوعها فتعرف لونها .. وتعرف إلى أي حد تتطاول خيوط أشعتها وتنسجم مع هالات أخرى .

فقط يمكن أن أقول أنني أحب التشكيل أكثر بينما تؤلمني جدا فكرة أن أرتاح في يوم ما من هم الكتابة .

 

 

+   إلى أي المدارس تنتمين في التشكيل ؟ وما سماتها؟

 

المدارس تصنيف تاريخي / صناعة مؤرخي الفنون , لا أعتقد أن زماننا صار بالإمكان أن يستوعب عمل المجموعات فكل التجارب تقريبا تجارب فردية بحته يخضع فيها كل شخص ذاته للتجريب والاختيارات الخاصة ..لذلك أنا لا أظن بأنني يمكن أن أكون وفية لمدرسة بعينها لكن إذا كان لابد من إجابة فأظنني أقرب للتعبيرية التجديدية .

 

+   أين هي إبداعات ضياء يوسف ؟ وما يحجبها ؟

 

تحدثت سابقا عن العزلة ثمة أشياء احتفظ بها هناك وأظنه حان الوقت جدا لتنفض خجلها وارتباكها وتخرج . هذا بالطبع لا يحتمل ذنب الغياب بأسره فالكسل جريمة كما وأن للشعور بأنني كائنة أصلا جريمة أستلذها .

اعتقد أيضا أن أمر غيابي مرده لمحاولاتي في استشعار ذاتي بحياد قبل أن أوضع على أرفف المكتبات لأظن بيقين أن من حق حروفي أن تمس شعور القارئ لو منحها فرصة اللقاء به.. الأمر الذي حدث ببطئ يعاتبني فيه الكثير من الطيبين .

عموما ورغم دوامة المشاغل أنا الآن في خضم الإعداد لطبع أول كتبي . كما وأنني كتبت سيناريو فلم روائي قصير( القطعة الأخيرة)  تم تصويره وهو من إخراج محمد بازيد سيعرض قريبا في مهرجان أفلام الإمارات وهو عن قصة معروفة شغفت جدا بفكرة النظر إليها مصورة .

 

ود .. مشروع طموح

 

+   حدثيني عن موقع مجلتك .كيف  جاءت الفكرة وكيف تطورت؟

 

أساس مشروع ود كان يضم نشاط إعلامي أوسع  بكثير : مجلة ثقافية ( أبولو ود)  ومجلة أطفال ( عصافير ود) وموقع سينمائي متخصص( ود سينما)   و دار ترجمة مصغرة ( مطبوعات ود) وإذاعة ثقافية ( إذاعة ود الثقافية) .

مجلة أبولو ود كانت ثمرة سبقت شجرتها فلم يكن مفترضا أن نبدأ بها ..

كانت الإذاعة هي الأولى في ترتيب المشروع . كل شيء بدأ فيها بشكل ناجح لولا أن مشكلة المادة وقفت حائلا حقيقيا بين أن نتشبث بما يمكننا أن نصنعه  وبين ما يمكننا التنازل عنه ونتجاهله تماما . لم نيأس أبدا وجاهدنا لنبدأ في بث الإذاعة وحدث فعلا وتم العمل عليها بتفان من قبل 30 شخص ..اجتهاد جعل من البديهي أن نفكر في طريقة أوسع لبثها من وجودها على الانترنت فقط . هنا تصادمنا مع المادة بشكل أكثر فداحة .. أورثتنا تلك التجربة إحباط الحصول على التصريحات التي وللأسف يقع ضمنها نشاط الترجمة أيضا . إجمالا عملنا في الإذاعة الذي أخذ منا من الجهد مالايمكن تخيل أنه سيتوقف افترض وجود المجلة  على أساس أن الاتصال بالمعنيين بالثقافة في كل فروعها كان يحتاج نوعا من الوجود لم يكن ونحن في البدايات ممكنا لذلك تقدم مشروع المجلة مع أنه كان في جدولتنا للعمل متأخرا . وإن كان سيسبق على أي حال مجلة عصافير الود التي تم طاقم تحريرها و أرشفت موادها منذ فترة وبقي فقط أن يرتب موضوعها التقني والمادي . الآن نحن في انتظار الجهات المسؤولة لإجازة صحيفة مصغرة عن أبولو ود .. و إجازة مشروع الترجمة لنكون أكثر وفاءا لمبدئنا الذي نؤمن من خلاله أن الشعر هو سفيرنا لدى الآخر .. السفير الأكثر رقيا وصدقا وشفافية ودرءا للخلافات .

إجمالا مشروع ود يتبنى ثلاثة أفكار أساسية : أولها محاولة ربط الثقافة بالأنشطة  الحية والورش الجماعية ما يمكن الثقافة من أن ترتدي ثوبا شعبيا يقربها من الناس ويجعلها في متناول الوعي واللذة معا . الفكرة الأساسية الثانية هي في خلق جو لا يمكن أن يستوعبه الورق بينما الانترنت أكثر قدرة على استيعابه ومن خلال هذه الفكرة حاولنا الاستفادة من طرق العرض التي يقدمها الانترنت .. مثل رؤية مقطع مسرحي حين الكلام عنه أو سماع أغنية في حين القراءة عنها ..أو تصفح كم من الصور لا يمكن للمجلات استيعابه . أيضا في مجال مجلة الطفل هذه القضية تتضح جدواها ومتعتها أكثر . الفكرة الأساسية الثالثة تدور حول تقديم الثقافة بإطار جديد يمكن أن يستقطب انتباه المتلقي ذلك من خلال الإذاعة الثقافية التي نأمل أن تلفت النظر مبدئيا ولو من أجل حداثة الفكرة وبهذا نشيع الثقافة بإطار من المحبة والألفة لا يمكن معه تقسيم الناس إلى مثقفين وآخرين ليسو كذلك.

 مشروع ود ينتحي بتطرف للروح الشبابية بطاقاتها التي لا تحد .. إذ يمكن جدا للمسؤولين عن الصحافة تحجيم تلك الطاقة لصالح أفكار روتينية رتيبة بينما الانترنت مساحة واسعة يمكن أن تستوعبنا جميعا . لذلك بدأنا بالإذاعة وكان عملا للأمانة من الروعة أن لا يمكن أن نجازف به بأي شكل فلو وجد فرصة مادية لائقة كان ليظهر بالشكل الذي يستحقه باختصارنحتاج دعما ماديا وإدارة اقتصادية  لا يمكن لنا تبنيها وحدنا ونحن نلهث وراء الهم الثقافي أولا .

قد نكون ظننا على سبيل الخطأ أن محاولاتنا ستكفي لاستيعاب القضايا المادية وتكفي أيضا ليحترم المسؤول مجهوداتنا فيسهل إجراءاتنا لكننا مازلنا نشرع قلوبنا أملا بمن يحتوي الصوت الثقافي الشاب ويتبنى المشروع بما يحتاجه .

 

 

ظاهرة صحية

 

+    انتشرت مجلات الانترنت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كيف تفسرين هذا التوجه الجديد ؟

 

مجلات الانترنت ظاهرة صحية إذا ما قارنا هذا بالحجر الفكري الذي يمارسه البعض علينا نحن الشباب كلما حاولنا أن نصنع لنا منبرا من ورق . لتتعدد المجلات فربما كلما تواجدنا كلما خلقنا اتجاهاتنا الفكرية الواضحة وكلما تعلمنا أن نؤمن بالمبدأ ونفي له . أعتقد أنه وإن بدأت بعض المجلات بالتواجد تقليدا لمجلات أخرى أو مواكبة لموضة ثقافية إلا أن المطاف سينتهي بها وهي بروح مميزة تعي مسؤوليتها وأهمية حضورها أو أنها ستذبل وتموت لأن الجهد الذي تحتاجه لن يستمر أبدا دون هدف واضح ومبدأ .

 

 

+     أتاحت الانترنت

المزيد